للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فتأمل صفات المريد تجاه شيخه: استسلام وانقياد مطلق كأنه ميت. ثم تأمل ما قاله في موضع آخر من نفس الكتاب أن أكمل أحوال العبد مع الله «أن يكون بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد» (١).

وماذا لو كان المريد فتاة تريد أن تتخذ لها شيخا؟ أليس مطلوبا منها أن تكون ميتة (أو مستلقية) بين يدي الشيخ وأن لا تعترض على ما ظاهره حراما؟

ولقد حيرنا هذا الرجل فتارة يأمر المريد بأن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله وتارة يأمرنا بأن نكون بين يدي الله كالميت بين يدي مغسله! «أن لا ينكر على أفعالهم فإن المنكر عليهم لا ينجو» (٢). أن يرى كل نعمة إنما هي من شيخه (٣).

أن لا يعترض عليه فيما فعله ولو كان ظاهره حراما أن لا يشير على الشيخ برأيه ... بل يرد الأمر إلى شيخه اعتقادا منه أنه أعلم منه بالأمور وغني عن استشارته» (٤). وهذا معناه والله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الشيخ ذلك خير وأحسن تأويلا»!!! أين هذه التعاليم الهندوكية من أمر الله لنبيه بمشورة أصحابه وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:١٥٩] وقد كان يستشيرهم دائما كقوله: ((أشيروا علي أيها الأنصار)) (٥). وقد أشار عليه الحباب بن المنذر بخلاف رأيه يوم بدر فقال له رسول الله: ((لقد أشرت بالرأي)) (٦). فأقره على نصيحته.

فهذا رسول الله لم يستغن عن مشورة أصحابه وهو المعصوم. فهذه التعاليم النقشبندية تجعل للمشايخ العصمة والكمال المطلق وهذا تقديس في صورة أدب! قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ [التوبة:٣١] هؤلاء وإن ادعوا أنهم لا يدعون العصمة للمشايخ فإن لسان حالهم يؤكد اعتقادهم العصمة.

فهل هذا إلا طلب الشرف في الدين وتحقيق الملذات والتسلط على العوام باسم الدين وباسم التأدب مع الشيخ.

فالمشيئة مشيئتهم والأمر أمرهم والخدمة لهم أحب إلى الله من صلاة النوافل إليه.

وهم يراقبون المريد ولو من بعيد، ويغيثون المكروب ويقلبون الشقي إلى سعيد.

الاستسلام لمعاصيهم طاعة، والاعتراض على معاصيهم معصية.

من رأى منهم غلطا فليقل هذا ظاهره خطأ ولكن باطنه صواب.

التوجه إلى الله لا يكون إلا بهم.

بيوتهم قبلة ولنعالهم ألف وألف قبلة. وفي ذلك الاستسلام المطلق للشيخ، يقول محمد أمين الكردي: «اعلم أن كل ما وضعوه من الآداب للمريدين كتغميض العين وقت الذكر وإغلاق الأبواب فينبغي أن تتلقاه بالقبول وتعلم أنهم اقتبسوه من مصباح السنة، فإذا أردت أدبا من آدابهم ولم تعرف مأخذه من السنة فلا ينبغي أن تطيل لسانك بالاعتراض عليهم» (٧).

وهذه دعوة إلى التقديس وتهديد للمعترض بالحرمان على نمط وثائق الحرمان الكنسي عند النصارى لكل من يجرؤ على الاعتراض على البابا الممثل لإرادة الله على الأرض!!!


(١) تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب قارن بين صفحة ٤٧٩ وبين ٥٢٨ وانظر ((الحديقة الندية في الطريقة النقشبندية)) ٣٨. ((البهجة السنية)) لمحمد الخاني ٢٥.
(٢) ((المواهب السرمدية)) ٧٩ ((الأنوار القدسية)) ١١٢.
(٣) ((المواهب السرمدية)) ٤٩٤ - ٤٩٥، ((تنوير القلوب)) ٥٢٩ ..
(٤) ((تنوير القلوب)) ٥٢٩ ((البهجة السنية في آداب الطريقة الخالدية العلية النقشبندية)) ٤١.
(٥) لم نجده بهذا اللفظ، ورواه ابن إسحاق بمعناه كما في ((البداية والنهاية)) (٣/ ٢٦١) وقال ابن كثير: له شواهد.
(٦) رواه ابن سعد (٣/ ٥٦٧)، قال الألباني في ((السلسلة الضعيفة)) (٣٤٤٨): ضعيف.
(٧) ((المواهب السرمدية)) ٣٢٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>