للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فحضروا عند نظام الملك وأوردوا عليه الرسالة، فقال لهم: "قولوا للسلطان إن كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي، أما يذكر حين قُتل أبوه فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه من أهله وغيرهم –منهم فلان وفلان وذكر جماعة ممن خرج عليه- وهو ذلك الوقت يتمسك بي ويلزمني ولا يخالفني، فلما قدرت الأمور إليه وجمعت الكلمة عليه، وفتحت له الأمصار القريبة والبعيدة، وأطاعه القاصي والداني، وأقبل يتجنى لي الذنوب، ويسمع في السعايات، قولوا له عني، إن ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة وإن اتفاقهما رباط على رغيبة وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك، فإن عزم على تغيير فليتزود للاحتياط قبل وقوعه، وليأخذ الحذر من الحادث أمام طروقه" ثم قال لهم: "قولوا للسلطان عني مهما أردتم فقد أهمني ما لحقني من توبيخه وفتّ في عضدي". فلما خرج الوفد من عنده اتفق أعضاؤه على كتمان ما جرى عن السلطان رعاية لحق نظام الملك وسابقته، وأن يقولوا له ما مضمونه الطاعة والتبعية، ولكن "يلبرد" كان قد مضى إلى السلطان وأعلمه الأمر، ولما كان الغد فوجئ الوفد بأن الخبر قد بلغ السلطان، وأن هذا الأخير قد أحاط بكل ما دار بينهم وبين نظام الملك. ووقع التدبير عليه حتى تّم عليه من القتل ما تم، ومات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يوماً وانحلّت الدولة ووقع السيف وكان قول نظام شبه الكرامة له (١).

ورغم هذه الرواية إلا أن الرأي الذي يبقى أقوى وأوكد وعليه عامة المؤرخين هو أن المسؤول مسؤولية مباشرة عن مقتل نظام الملك هو الحسن بن الصباح وحركته، وهذا الأمر ثابت في مراجع الشيعة أنفسهم، كما أن أسلم نظام الملك محفوظ في "قائمة شرف" للاغتيالات بقلعة ألموت، كانت تُسجل بها أسماء الفدائيين وأسماء من قتلوهم.

وكانت تلك بداية سلسلة طويلة من الهجمات المماثلة أدّت في حرب رعب محسوبة إلى إنزال ألموت المفاجئ بملوك وأمراء وقادة جيوش وحكام يقول ابن الأثير: "إن أي قائد أو ضابط لم يكن يجرؤ أن يترك بيته بدون حماية وكانوا يرتدون الدروع تحت ملابسهم .. وطلب كبار الضباط من السلطان بر كبارق أن يسمح لهم بالظهور أمامه مسلحين خوفاً من أن يتعرضوا للهجوم فمنحهم الإذن بذلك".

أما المجموعة الثانية من ضحايا الحشاشين: فتضم القضاة والعلماء وغيرهم من الشخصيات الدينية الذين أدانوا نظريات الإسماعيلية وأفتوا بقمع من يقول بها، إذ يقول أحد هؤلاء: "إن قتلهم أحلّ من ماء المطر، ومن واجب السلاطين والملوك أن يهزموهم ويقتلوهم وينظفوا وجه الأرض من دنسهم، ولا يجوز الاتصال بهم أو تكوين صداقات معهم أو أكل لحم ذُبح بواسطتهم، أو الدخول معهم في زواج، إن سفك دم ملحد منهم أكبر جزاءً من قتل سبعين من كفار اليوم".

وهناك فئة ثالثة متوسطة تضم ولاة المدن وقد نالت اهتمامهم بين حين وآخر، وكانت المؤسسة السنية بجوانبها السياسية والعسكرية والإدارية والدينية هي العدو الرئيسي للإسماعيلية، وكان هدفهم من الاغتيالات إخافة هذه المؤسسة وإضعافها ثم الإطاحة بها في النهاية.

وبعض هذه الاغتيالات كان مجرد أعمال انتقام وتحذير مثل قتل علماء السنة في مساجدهم عقاباً لهم على مهاجمة الإسماعيلية بالقول أو الفعل، ولكن كان هناك ضحايا آخرين يتم اختيارهم لأسباب محددة أو عاجلة مثل قادة الجيوش الذين يهاجمون الإسماعيلية.

كما اجتمعت الدوافع التكتيكية والدعائية في اغتيال بعض الشخصيات الكبيرة كالوزير نظام الملك –كما أشرنا سابقاً- واثنين من الخلفاء ومحاولات اغتيال صلاح الدين.


(١) ((الكامل في التاريخ)) (٨/ ١٦١ - ١٦٢) بتصرف قليل.

<<  <  ج: ص:  >  >>