للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال خرج علينا عبد الله عمر فرجونا أن يحدثنا حديثا حسنا، قال فبادرنا إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول: " قاتلوهم حتى لا تكون فتنة " فقال: " هل تدري ما الفتنة ثكلتك أمك؟ إنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " (١).فالرجل أراد أن يحتج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة التي تقع بين المسلمين، والتي كان ابن عمر ترك القتال فيها، ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة، فأخبره عن الفتنة المأمور بالقتال فيها، وقوله: " وليس كقتالكم على الملك " أي: في طلب الملك، وهو يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين ابن الزبير وما أشبه ذلك (٢).ولقد ذم أبو برزة الأسلمي (٣) رضي الله عنه وأنكر القتال على الملك ولطلب الدنيا فقال: " إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على دنيا (٤)، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على دنيا (٥)، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل على الدنيا (٦) (٧).

إن المنازعة على الملك والسلطة مذمومة لكل أحد، فما بالك إذا كانت المنازعة من قبل العلماء؟!. إن صلاح العلماء وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر صلاح للأمة، وبالمقابل فإن فسادهم وسوء نياتهم بلاء وفتنة للأمة، لذلك جاء الوعيد الشديد لمن طلب العلم بقصد الرئاسة والظهور، وكان همه الحصول على متاع دنيوي بهذا العلم الرباني، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار)) (٨).يقول الإمام الآجري محذرا من هذا المسلك: " فمن طلبه للفخر والرياء، والجدل والمراء، وتأكل به الأغنياء، وجالس به الملوك وأبناء الملوك، لينال به الدنيا فهو ينسب نفسه إلى أنه من العلماء، وأخلاقه أخلاق أهل الجهل والجفاء، فتنة لكل مفتون، لسانه لسان العلماء، وعمله عمل السفهاء (٩).يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله سادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا على أهلها " (١٠).ويبين معاذ بن جبل رضي الله عنه خطورة العلماء طلاب الرئاسة والدنيا فيقول في كل مجلس يجلسه: " هلك المرتابون، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فيوشك الرجل أن يقرأ في ذلك الزمان فيقول: ما بال الناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن، فيقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإنما ابتدع ضلالة " (١١).

فهذا الرجل الجاهل الذي قرأ القرآن وتحلى بزي العلماء – وليس منهم – يبتدع في دين الله، ويضل عباد الله، كل ذلك طلبا للرئاسة وحب الظهور، فهذا الصنف من الناس من شأنه أن يفرق الأمة بما ينشر بينهم من بدع وضلالات. وليس هذا فقط، بل من شأنه أن يسارع في كل فتنة ويخرج عن كل قول ومذهب؛ متى ما برقت الدنيا أمامه، ووعد بمنصب أو رئاسة (١٢)، وصدق عبد الله بن المبارك حينما قال: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها (١٣)

المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٢٥٥ - ٢٦٣


(١) رواه البخاري (٧٠٩٥).
(٢) انظر ((فتح الباري)) (١٣/ ٤٧).
(٣) هو: نضلة بن عبيد الأسلمي أو برزة مشهور بكنيته، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، روى عدة أحاديث، توفي سنة ٦٤هـ. انظر: ((الإصابة)) (٦/ ٢٣٧)، ((السير)) (٣/ ٤٠).
(٤) يقصد به مروان بن الحكم وقصد بيعة ابن الزبير وبايع له أهل الشام.
(٥) أي: أهل البصرة.
(٦) يقصد به عبد الله بن الزبير لما بويع بالخلافة.
(٧) رواه البخاري (٧١١٢)، فأبو برزة رضي الله عنه ذم الطوائف الثلاث كلها لأنه كان لا يرى قتال المسلمين أصلا، فكان يرى لصاحب الحق أن يترك حقه لمن نازعه فيه ليؤجر على ذلك ويمدح بالإيثار على نفسه لئلا يكون سببا لسفك الدماء. وهذا رأي ابن عمر رضي الله عنهما أيضا، ولكن الجمهور على أن الفتنة مختصة بها إذا وقع القتال بسبب التغالب في طلب الملك، وأما إذا علمت الباغية فلا تسمى فتنة وتجب مقاتلتها حتى ترجع إلى الطاعة. انظر ((فتح الباري)) (١٣/ ٤٧، ٧٠).
(٨) رواه الترمذي (٢٦٥٤)، وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحسنه الألباني في صحيح ((سنن الترمذي)) (٢/ ٣٣٧).
(٩) انظر ((أخلاق العلماء)) (ص ٧٨).
(١٠) انظر ((أخلاق العلماء)) للآجري (ص ٨٨).
(١١) كتاب ((الشريعة)) للآجري (١/ ٤٠٥)، والحلية لأبي نعيم (١/ ٢٣٢).
(١٢) انظر ((الاعتصام)) للشاطبي (٤٤٧ – ٤٤٩).
(١٣) انظر ((شرح العقيدة الطحاوية)) (١/ ٢٣٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>