للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال شيخ الإسلام - أيضا: "والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست منه، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة، وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول الجهم؛ فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان، مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس، وفرعون، وغيرهما كفارا، مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلب في الإيمان، لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان، لزمهم دخول أعمال الجوارح - أيضاً -؛ فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية، بسببها اشتبه الأمر عليهم؛ فإنهم رأوا أن الله فرق في كتابه بين الإيمان، والعمل؛ فقال في غير موضع: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة: ٢٧٧]، ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى [المائدة: ٦]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة:]، وقالوا: لو أن رجلاً آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمناً، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان، وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية، وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله، لكن بعد كمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء؛ إيمان السابقين الأولين؛ كأبي بكر، وعمر، وإيمان أفجر الناس؛ كالحجاج، وأبي مسلم الخراساني، وغيرهما، والمرجئة المتكلمون منهم، والفقهاء، يقولون: الأعمال قد تسمى إيماناً مجازاً؛ لأن العلم ثمرة الإيمان، ومقتضاه، ولأنها دليل عليه، ويقولن: قوله: ((الإيمان بضع وستون أو بضعة وسبعون شعبة -، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق)) - مجاز، والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان؛ كجهم، ومن اتبعه؛ كالصالحي، والقول الثاني من يقول: هو مجرد القول باللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية، والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه، والعبادة منهم" (١).ويفرق أبو العز الحنفي بين رأي أبي حنيفة، ورأي الأئمة، في مسألة الإيمان؛ فيقول: "إذا كان النزاع في هذه المسألة، بين أهل السنة، نزاعاً لفظياً، فلا محذور فيه، سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى؛ من الافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم عند قوم من أهل الإرجاء، ونحوهم، على ظهور الفسق، والمعاصي؛ بأن يقول: أنا مؤمن مسلم - حقا - كامل الإيمان والإسلام، ولي من أولياء الله؛ فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي، وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وهذا باطل - قطعاً -؛ فالإمام أبو حنيفة - رحمه الله - نظر إلى حقيقة الإيمان لغة، مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة - رحمهم الله - نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع؛ فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافاً، وشرائط؛ كما في الصلاة، والصوم، والحج، ونحو ذلك" (٢).


(١) ابن تيمية، ((الإيمان))، (ص ١٨٣ - ١٨٤) بتصرف.
(٢) ((شرح العقيدة الطحاوية))، (ص ٣١٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>