للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بل لقد كانت العصبية بين أهل القبيلة الواحدة أمرا قائما حتى ولو اختلف ولاؤهم كما وقع لخثعميين قتل أحدهما الآخر في موقعة صفين، حين حمل شمر بن عبد الله الخثعمي (من خثعم الشام) على أبي كعب (رأس خثعم العراق) فطعنه فقتله ثم انصرف يبكي، ويقول: يرحمك الله أبا كعب لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بي رحما منهم وأحب إلي منهم نفسا، ولكن والله لا أدري ما أقول ولا أرى الشيطان إلا قد فتننا ولا أرى قريشا إلا وقد لعبت بنا (١). ومنها ما وقع أثناء قراءة الأشعث لكتاب التحكيم حين ضرب عروة عجز دابة الأشعث، فقد أرادت العصبية أن تثور بين النزارية واليمانية غضبا لتلك الضربة فلولا انشغالهم بقضية التحكيم لكان لهم شأن آخر (٢).

وقد حدث أن الخوارج فيما بعد – كما ذكر ابن الأثير – أنهم بقيادة شبيب خرجوا في مكان يسمى (بهر سير)، وكان الوالي لتلك الجهة مطرف بن المغيرة وكان يكره ظلم الحجاج وعبد الملك، فراسل الخوارج وطلب منهم إرسال وفد إليه لينظر فيما يدعون وحين سألهم عن دعوتهم قالوا له: ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن الذي نقمنا من قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية. فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق وما نقمتم إلا جورا ظاهرا أنا لكم متابع فتابعوني على ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمركم. فقالوا: اذكره فإن يكن حقا نجبك إليه. قال: أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة على أحداثهم وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين يؤمرون من يرتضونه على مثل هذه الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب، فإن العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا وكثر تبعكم وأعوانكم. فقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه وقاموا من عنده وترددوا بينهم أربعة أيام فلم تجتمع كلمتهم (٣). فحين سمعوا بتولية أحد القرشيين نفروا عنه وعن استمالته إليهم.

ويذكر الأستاذ أبو زهرة أن العصبية والحسد هما الحافز القوي لخروج الخوارج، وقد كرر هذا المعنى في أكثر من موضع من كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية)، فهو يذكر أن العصبية كانت مختفية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ظلت مختفية إلى أن جاء عهد عثمان رضي الله عنه، فانبعثت في آخر عهده قوية لجية عنيفة، وكان انبعاثها له أثر في الاختلاف بين الأمويين والهاشميين أولا، ثم الاختلاف بين الخوارج وغيرهم، فقد كانت القبائل التي انتشر فيها مذهب الخوارج من القبائل الربعية لا من القبائل المضرية، والنزاع بين الربعيين والمضريين معروف في العصر الجاهلي، فلما جاء الإسلام أخفاه حتى ظهر في نحلة الخوارج، فكان من الطبيعي أن يكون الحسد من أول ثمار هذه العصبية ومن الأسباب التي حفزت الخوارج إلى الخروج. ويقول أيضا: ومن أعظم هذه الأمور التي حفزتهم على الخروج غير الحق الذي اعتقدوه - أنهم كانوا يحسدون قريشا على استيلائهم على الخلافة واستبدادهم بها دون الناس (٤).


(١) ((شرح نهج البلاغة)) (٥/ ٢٠٥).
(٢) انظر: ((مروج الذهب)) (٢/ ٤٠٤).
(٣) ((الكامل)) لابن الأثير (٤/ ٤٣٤).
(٤) انظر: ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (١/ ٦٩ - ٧٠)، وانظر: ((فجر الإسلام)) (ص٢٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>