للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبالتأمل في تلك الرسالة نجد فيها حرارة الشكوى ومدى ما حل بهم إن صدقوا في كل ما ذكروه؛ إذ إن تلك الجرائم التي ارتكبت بحقهم لا يمكن السكوت عنها، وهنا وقر في قلوبهم ما قاله الخوارج سابقا ورجعوا في غاية الغضب والعزم على الخروج عن الطاعة، فبدأوا بعامل هشام على أفريقية فقتلوه ثم استولوا على أفريقية، ولما علم هشام بذلك سأل عن أسماء ذلك الوفد الذي جاء إليه فرفعت إليه أسماؤهم فإذا هم الذين وقفوا ببابه فاحتجب عنهم. وهناك سبب آخر يعزوه الأستاذ رفعت إلى صاحب كتاب (أخبار مجموعة)، الذي يرى أن سبب قيام خوارج المغرب بالثورة إنما هو " الاقتداء بالخوارج في المشرق أصحاب النهروان والأزارقة في الخروج على سلطان الخلافة والتحرر من ربقتها والكيد لها " (١).ويروي عن صاحب فجر الأندلس رأيا آخر، وهو أن تلك الثورة كانت سياسية قبل أن تكون دينية وذلك في قوله: " لسنا نجد على أي الأحوال من أخبار هذه الثورة الكبيرة دليلا واضحا على صفرية القائمين بالحركة أو إباضيتهم، والأسلم أن نسميهم خوارج سياسيين لا دينيين " (٢). وعلى كل فقد اشتعلت الثورة وسموا ميسرة أمير المؤمنين، ثم التحموا مع جيش الخلافة في معارك عظيمة عبأ فيها هشام ثلاثين ألفا لمقاتلة الخوارج، وحينما التقوا انهزمت جيوش الخلافة شر هزيمة واستتب الأمر للخوارج وبسطوا نفوذهم بقوة وبأس جعل الخليفة ييأس من استعادة أفريقية بعد هزيمة جيشه الذي أرسله بقيادة كلثوم بن عياض أمام قائد الخوارج خالد بن حميد الزناتي الذي حقق للخوارج استقلال المغرب حتى صار المغرب فيما بعد ملجأ كل ناقم على الخلافة الأموية (٣).

ثم صارت الأمور بعد ذلك في صراع الخوارج والخلافة يتبادل الطرفان فيه النصر والهزيمة حتى انتهت الدولة الأموية وأعقبتها الدولة العباسية، فبدأت في مقاومة الخوارج بالمغرب وكان رئيسهم إذ ذاك هو أبو الخطاب؛ وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين ذهبوا إلى البصرة وعادوا منها إلى المغرب يحملون فكرة إقامة دولة باسمهم، كما أشار عليهم زعيم المذهب الديني في البصرة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي تعتبره الإباضية من خيرة أسلافها وعلمائها الأجلاء. فأخذ نجم الإباضية في الظهور على يدي أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي كان مقيما بطرابلس بعد الخطط لجعلها عاصمة لهم، وكانت البيعة له في غرب طرابلس في مكان يسمى " صياد " واتفقوا فيه على وضع خطة للقبض على زمام السلطة في طرابلس، وهي أن يوضع الرجال في جواليق مربوطة من أسفلها على جمال كل رجلين على جمل ثم يدخلون طرابلس فلا يفطن الناس إلى ما بها، وعندا يتوسطون المدينة يخرج الإباضية الذين بها مصلتين سيوفهم ثم تفتح الجواليق فيخرج الرجال على هيئة حربية كل رجل يحمل سلاحه، ثم جاء الموعد ونجحت الخطة وحين خرجوا كانوا ينادون لا حكم إلا لله ولا طاعة إلا لأبي الخطاب، وتم الاستيلاء على المدينة فعين عبد الرحمن الرستمي وهو أحد حملة العلم الخمسة أيضا على طرابلس قاضيا (٤).


(١) ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص٦٧)، وهو يعزو هذا الرأي إلى ((أخبار مجموعة)) (ص٣١، ٣٢).
(٢) ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص٦٨)، وهو يعزو هذا الرأي إلى ((فجر الأندلس)) (ص١٤٩).
(٣) هذا ما أشار إليه الأستاذ رفعت فوزي في كتابه ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص٨٣)، والواقع أن الخليفة قد عبأ الجيوش المتلاحقة لإخماد تلك الثورات، انظر ((الكامل)) لابن الأثير (٥/ ١٩٢).
(٤) ((الخلافة والخوارج في المغرب)) (ص١٠٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>