للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وتخيل بعضهم أن التطير بهذِه الأشياء من قوله: "لا طيرة" وأنه مخصوص بها، فكأنه قَالَ: لا طيرة إلا في هذِه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى ذَلِكَ ابن قتيبة، وعضده بحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الطيرة على من تطير".

وسُئل مالك عن تفسير الشؤم في ذَلِكَ فقال: هو كذلك فيما نرى، كم من دار سكنها ناس فهلكوا ثم آخرون من بعدهم فهلكوا.

ويعضده حديث يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، دار سكناها والعدد كثير والمال وافر، فقل العدد وذهب المال، فقال: "دعوها ذميمة" (١)، أي: عندكم لاعتيادكم ذلك، فالناس يتطيرون بهذِه الثلاثة أكثر من سواها، ولا يظن بهذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذِه الثلاثة الأشياء هو على ما كانت الجاهلية تعتقد فيها فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه، بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك أن هذِه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها.

فمن وقع في نفسه شيء من ذَلِكَ فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره مما يغلب به نفسه، ويسكن خاطره له، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو امرأة يكرهها بل قد فسح الله له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله هو الفعال لما يريد. وليس لشيء من هذِه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكر في المجذوم.


(١) رواه مالك في "الموطأ" ص ٦٠٢ (٢٣)، عن يحيى بن سعيد مرفوعًا، بانقطاع وصله أبو داود من حديث أنس (٣٩٢٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>