للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

فالجواب: أن القميص في الدنيا ستر وزينة كما سماه الله، وهو في الآخرة لباس التقوى، فلما كان في الدنيا حرم منها ما كان مخرجًا إلى الخيلاء والكبرياء التي لا يجمل لمخلوق مربوب ضعيف لاضطراره إلى مدبر يدبره ورازق يرزقه ودافع يدفع عنه ما لا امتناع له منه، ويحميه من الآفات. فوجب أن تكون تلك الزينة في الدنيا معروفة بدليل الذلة وعلامة العبودية. هذا معنى وجوب تقصيرها في الدنيا، ولما خلصت في الآخرة من أن يقترن بها كبر أو يخطر منه خاطر على قلب بشر جعلت لباس التقوى كما سماها الله، فحسن فيها الكمال والجر؛ ولفضولها على الأرض، ودل ذلك الفضل المجرور على بقايا من العلم والدين الذي يخلد بعده، فيكون أثرًا باقيًا خلفه، ولم يكن سبيل إلى أن يكون فيه من معنى الكبر شيء في ذلك الموطن، وليس هذا بما يحمل على أحوال الرائين، وإنما هو أبدًا محمول على جوهر الشيء المرئي، فجوهر القميص في الدنيا بقرينة الجر له كبر وتعاظم، وجوهره في الآخرة بالعلم، والدين، وليس في الآخرة فيه تحليل ولا تحريم، وإنما يحمل الشيء على حال الرائي له إذا تنوع جوهر الشيء المرئي به أو فيه أو عليه في التفسير، وأكثر ما يكون ذلك في الدنيا لاختلاف أحوال أهلها، وقد يكون في الآخرة شيء من ذلك، وليس هذا منه، ولا يجوز أن ينقل جوهر شيء من الثياب ونحوها عما وضعت له في أجل العلم إلا بدليل ناقل لجوهر ذلك الشيء، كمن رأى أحدًا من الأموات في نومه وعليه ثياب يجرها من نار أو متقدة بنار، فيعبرها: أنه كافر كان يلبس في الدنيا ثياب الكبر والتبختر يجرها خيلاء فعوقب في (النار) (١) بصنعه ذلك في الدنيا أو يُرى عليه ثياب من قطران كما


(١) في الأصل: الدنيا، والمثبت من (ص ١)، وهو الصواب.

<<  <  ج: ص:  >  >>