للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

الطبري: والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله في صحته جائزة؛ لإجازته صدقة الصديق بماله كله، وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله، ولا يجحف بماله ولا بعياله، ويستعمل في ذلك أدب الرب لنبيه بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} الآية [الإسراء: ٢٩] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الشارع لكعب بن مالك، وأبي لبابة (١) وأما إجازته للصديق فهو إعلام بالجواز من غير ذم، وما فعل مع كعب وأبي لبابة إعلام بالاستحباب. والدليل على ذلك إجماع الجميع أن لكل مالك مال إنفاق جميعه في حاجاته، فكذا فيما هو قربة وأولى. فإن قلتَ: كيف نعمل بقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الحشر: ٩] وقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: ٨] وبحديث أبي ذر: "أفضل الصدقة جهد من مقل" (٢). وبحديث الباب. قلتُ: لا معارضة بينهما فإن المعنى في حديث الباب حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية كالأكل، وستر العورة، وشبهها، فهذا ونحوه بما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدق به بل يحرم، فإذا سقطت هذِه الواجبات صح الإيثار، وكان صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يحمله من مضض الحاجة، وشدة المشقة.

وقوله: "واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى".

فيه: الندب إلى التعفف عن المسألة، والحض على معالي الأمور وترك دنيئها. والله تعالى يحب معالي الأمور.


(١) انظر: "شرح ابن بطال" ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٧٨، والطبراني في "الكبير" ٨/ ٢١٧، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٤/ ١٨٠، قال الهيثمي في "المجمع" ١/ ١٥٩: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف.

<<  <  ج: ص:  >  >>