للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

والنذر المقيد حقيقته: أن يلزم العبد نفسه بطاعة لله جل وعلا مقابل شيء يحدثه الله جل وعلا له ويقدِّره، ويقضيه له، كأن يقول مثلًا: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذرٌ بأن أتصدق بكذا وكذا، أو إن نجحت فسأصلي ليلة، أو إن عُيِّنت في هذه الوظيفة فسأصوم أسبوعًا، ونحو ذلك، فهذا كأنه يشترط بهذا النذر على الله جل وعلا فيقول: يا رب، إن أعطيتني كذا: صمتُ لك، وإن أنجحتني صليت، أو تصدقت، وإن شفيتَ مريضي فعلت كذا وكذا، يعني: مقابلةً للفعل بالفعل، وهذا هو الذي وصفه النبي عليه السلام والسلام بقوله: "إنما يُستخرَجُ به من البخيل"؛ لأن البخيل هو الذي لا يعمل العبادة حتى يُقاضَى عليها، فصار بما أعطاه الله من النعمة أو بما دفع عنه من النقمة كأنه في حِسِّ ذلك الناذر قد أعطي الأجر، وأعطي ثمن تلك العبادة (١).

قال في شفاء الصدور: "فقد نهى الصادق المصدوق المبلغ عن الله تعالى عن النذر وأخبر أنه لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما يوافقه سائر الأسباب التي ليست بمشروعة فيخرج البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك.

فإذا كان نذر الطاعات لله المعلقة بشرط لا فائدة فيه ولا يأتي بخير فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع.

هذا وقد صار الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت ويقول الآخر: ركبت البحر فنذرت، ويقول الآخر: حبست فنذرت، ويقول الآخر: أصابتني فاقة فنذرت، وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر الطاعة لله فضلا عن معصية ليس سببا لخير وإنما


(١) التمهيد لشرح الكتاب التوحيد ص ١٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>