للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَنَا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مُتَعَيَّنٌ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ حَلَالًا حَرَامًا، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَنَاظَرُوا فِي الْمَسَائِلِ وَاحْتَجَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِهِ، وَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ إصَابَةَ الْحَقِّ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَأَنَّ جَمِيعَهُمْ مُخْطِئٌ إلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ، فَمَنْ أَصَابَهُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَقَدْ أَخْطَأَهُ. وَنَسَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى الشَّافِعِيِّ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ: " وَأَدَّى مَا كُلِّفَ ". فَظَنَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ " أَصَابَ "، وَغَلَّطُوهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ. انْتَهَى.

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: الْحَقُّ مِنْ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ، وَالْآخَرُ بَاطِلٌ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ فَأَكْثَرَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِي " الشَّرْحِ " فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، لَا أَعْلَمُ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا نَسَبَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِمَذْهَبِهِ إلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَادُّعُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ فِي الْمُجْتَهِدِ: " أَدَّى مَا كُلِّفَ " فَقَالُوا: الْمُؤَدِّي مَا كُلِّفَ مُصِيبٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا قَصَدَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ رَفْعَ الْإِثْمِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ خِلَافَ الْحَقِّ لَأَثِمَ، وَإِذَا خَالَفَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يَكُنْ آثِمًا، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤَدِّي مَا كُلِّفَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَدَّى مَا كُلِّفَ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ وَضْعَ الدَّلِيلِ فِي حَقِّهِ، وَسَلَكَ مَا وَجَبَ مِنْ طَرِيقِهِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>