للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[قصة هداية شاب انحرف عن الطريق]

هذا شاب صغير يروي قصة الضياع، ثم يروي كيف اهتدى إلى طريق الاستقامة والهداية، يقول: لما بلغت الرابعة عشرة من عمري، وكنت في السنة الثانية من المرحلة المتوسطة، حدث حادث في حياتي كان سبباً في تعاستي وشقائي فترة من الزمن، فقد تعرفت على شلة من رفقاء السوء، وكانوا ينتظرون الفرصة المناسبة لإيقاعي في شباكهم، وجاءت الفرصة مناسبة أثناء فترة الامتحانات، فجاءوني بحبوب بيضاء منبهة، فكنت أسهر عدداً من الليالي المتوالية في المذاكرة دون أن يغلبني النعاس، وما كنت أشعر بحاجة إلى النوم، فانتهت الامتحانات ونجحت بتفوق، وبعد الامتحانات داومت على تعاطي هذه الحبوب البيضاء فأرهقني السهر وتعبت تعباً شديداً، فجاءني أولئك الشياطين وقدموا لي في هذه المرة حبوباً، لكن اختلفت الألوان، في المرة الأولى كانت الحبوب بيضاء، وفي المرة الثانية كانت الحبوب حمراء، قالوا لي: إنها تطرد عني السهر وتجلب لي النوم والراحة، ولم أكن أدرك حقيقة هذه اللعبة وهذا التآمر والمكر الخبيث من هؤلاء الشياطين: شياطين الإنس الذين هم أخطر من شياطين الجان.

يقول: فأخذت أتعاطى هذه الحبوب مرات ومرات في اليوم، وبقيت على هذه الحال ثلاث سنوات تقريباً أو أكثر، ففشلت في دراستي وفي كل شأن من شئون حياتي، ولم أتمكن حتى من إتمام المرحلة المتوسطة من الدراسة بعد أن كنت من المتفوقين، فصرت أتنقل من مدرسة إلى مدرسة لعليّ أن أحصل على هذه الشهادة، ولكن دون جدوى! وبعد هذا الفشل الذريع الذي كان سببه هذه الحبوب وهذه المخدرات فكرت في الانتقال إلى مدينة أخرى حيث يقيم عمي وأبناء عمي في تلك المدينة لعلي أغير شيئاً من حياتي، وكان والدي قد اشترى سيارة جديدة، فأخذت السيارة في تلك الليلة دون علم والدي وتوجهت إلى تلك المدينة، وكنت أحمل في جيبي كمية كبيرة من هذه الحبوب الحمراء، وفي الطريق توقفت عند بعض الأصحاب، وفي تلك الليلة أسرفت في تناول هذه الحبوب حتى أصبحت في وضع يرثى له، لا أميز من الغادي ومن الرائح، وقبيل الفجر ركبت السيارة وأنا في حالة لا يعلمها إلا الله، وانطلقت مسرعاً في طريقي، وما هي إلا دقائق حتى غبت عن الدنيا، ولم أفق إلا وأنا في المستشفى في حالة سيئة، كسرت ساقي اليمنى، وأصبت بجروح بالغة بعد أن مكثت في غرفة الإنعاش ثمانياً وأربعين ساعة، فأخرجوني إلى الغرفة التالية، ثم بعد أن تعافيت وخرجت من المستشفى مكثت في البيت أياماً يداويني أهلي ويرعوني، ومن رحمة الله بي أن كتب لي حياة جديدة، ومنح لي فرصة جديدة؛ لعلي أن أتوب وأرجع وأقلع عما أنا فيه، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، فنقلت من المستشفى إلى بيت والدي، وفي البيت كنت أتعاطى هذه الحبوب النكدة، وقد تسألني وتقول: من أين لك هذه الحبوب وأنت ترقد على فراش المرض؟ فأقول لك: كان أولئك الشياطين يأتون لزيارتي في البيت، فيعرضون علي بضاعتهم فأشتري منهم ما يكفيني لأيام، وبالرغم من حالتي السيئة بقيت على هذه الحال أياماً، وبعدها أحسست بتحسن بسيط.

وكانت فكرة السفر إلى تلك الديار حيث يقيم عمي وأبناء عمي تراودني، فأنا أريد أن أغير الواقع وأن أرجع إلى ما كنت عليه، فخرجت يوماً بعكازي وأخذت أبحث عن سيارة تأخذني إلى تلك المدينة، فما توقف لي أحد، فذهبت إلى مواقف سيارات الأجرة واستأجرت سيارة أوصلتني إلى تلك المدينة، وهناك بادرت بالتسجيل في إحدى المدارس المتوسطة، فكبرت في السن ولا زلت في المرحلة المتوسطة، بعد جهود بذلها عمي وغيره تم قبولي في تلك المدرسة وحصلت على شهادة الكفاءة، لكني كنت مستمراً على تعاطي المسكرات والمخدرات حتى بدلت الحبوب المخدرة وبدأت بتعاطي الخمر في كل يوم! لقد انتقلت من حفرة إلى أخرى، وهكذا الذنوب تقود بأصحابها من ورطة إلى أخرى، فتركت الحبوب ولكني أصبحت مدمناً للخمر والعياذ بالله، وكنت أقوم في نفس الوقت بترويج تلك الحبوب الحمراء وبيعها بسعر مضاعف، لم أكن أدرك فداحة هذا الأمر، وأني أفسد الآخرين، وأني أجمع المال من طريق حرام -أسأل الله أن يتوب علي-.

ثم بعد الخمر انتقلت إلى الحشيش وأدمنت عليه، وكنت أتعاطاه عن طريق التدخين، فكنت أذهب إلى المدرسة وأنا في حالة هستيرية فأرى الناس حولي كأنهم ذباب أو حشرات صغيرة، ولم أكن أتعرض لأحد؛ لأن الذي يتعاطى هذا البلاء يكون جباناً يخاف من كل شيء، بقيت على هذه الحال سنتين تقريباً، وكنت أقيم في غرفة في طرف المدينة حتى لا يراني عمي وأبناء عمي على تلك الحال.

وفي يوم من الأيام جاءني اثنان من شياطين الإنس الذين أعرفهم، وكان أحدهما متزوجاً، فأوقفت سيارتي وركبت معهم وكان ذلك بعد صلاة العصر، فأخذنا ندور وندور في شوارع البلد بلا هدف ولا غاية ولا مقصد.

وأمثال هؤلاء كثير يتجولون في الشوارع بلا هدف ولا غاية، وبعد جولة دامت ساعات أوقفوني عند سيارتي فركبتها وتوجهت إلى البيت، ولكني ظللت الطريق ولم أستطع أن أرجع إلى بيتي فقد كنت في حالة سكر شديد، ظللت مدة ساعتين أو أكثر أبحث عن البيت فلم أجده، وفي نهاية المطاف وبعد جهد جهيد وصلت إلى البيت، فلما رأيت البيت فرحت فرحاً شديداً، فلما هممت بالنزول من السيارة أحسست بألم شديد في قلبي، وبصعوبة بالغة نزلت ودخلت البيت، وفي تلك اللحظات تذكرت الموت، نعم تذكرت الموت كأنه أمامي شبح أسود يريد أن يهجم علي، ورأيت أشياء عجيبة أعجز عن وصفها الآن، فقمت مسرعاً من غير شعور ودخلت دورة المياه وتوضأت، سبحان الله! سنوات طوال وأنا لا أعرف الركوع والسجود، فدخلت دورة المياه وتوضأت، وبعد خروجي من الدورة عدت مرة ثانية وتوضأت، ثم أسرعت إلى إحدى الغرف وكبرت ودخلت في الصلاة، وتذكرت في تلك اللحظة أنني لم أصل ولم أركع ولم أسجد لله لسنوات طوال، وأتذكر أنني قرأت في الركعة الأولى الفاتحة وقل هو الله أحد، ولا أتذكر ما قرأته في الركعة الثانية، فالمهم أنني أديت تلك الصلاة بسرعة شديدة قبل أن أموت، ثم ألقيت بنفسي على الأرض على جنبي الأيسر واستسلمت انتظاراً للموت، وتذكرت في تلك اللحظات أنني سمعت أن الميت الأفضل أن يوضع على جنبه الأيمن فتحولت إلى الجنب الأيمن، وأنا أحس بأن شيئاً ما يهز كياني هزاً عنيفاً، ومرت في خاطري صور متلاحقة من سجل حياتي الحافل بالضياع والشهوات والمجون، وأيقنت أن روحي على وشك الخروج، ومرت لحظات كنت أنتظر فيها الموت، وفجأة حركت قدماي فتحركتا ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وعلمت أنني لم أمت إلى الآن، لقد رأيت بصيصاً من الأمل يشع من بين تلك الظلمات الحالكة، فقمت مسرعاً وخرجت من البيت وركبت سيارتي وتوجهت إلى بيت عمي، فدفعت الباب ودخلت وسقطت مغشياً علي، لقد وجدتهم مجتمعين يتناولون طعام العشاء، فألقيت بنفسي بينهم، فقام عمي فزعاً، ثم لما أفقت سألني: ما بك؟ فقلت له: إن قلبي يؤلمني، فقام أحد أبناء عمي وأخذني إلى المستشفى، وفي الطريق أخبرته بحالي وأني قد أسرفت على نفسي في تعاطي ذلك البلاء، وطلبت منه أن يذهب بي إلى طبيب يعرفه، فذهب بي إلى إحدى المستشفيات الأهلية، فلما كشف علي الطبيب وجد حالتي في غاية السوء حيث بلغت نسبة الكحول في جسمي نسبة عالية، فامتنع عن علاجي، وقال: لا بد من حضور الشرطة، وبعد محاولات مستمرة وإلحاح شديد وإغراءات وافق على علاجي، فقام بعمل تخطيط للقلب، ثم بدأ بعلاجي.

كان والدي قد أتى إلى تلك المدينة في ذلك اليوم لزيارة عمي ولزيارتي، فلما علم أني في المستشفى جاء ليزورني، فرأيته واقفاً على رأسي، فلما شم رائحتي الكريهة ضاق صدره وخرج ولم يتكلم، فأمضيت ليلة تحت العلاج، وفي غرفة الإنعاش وقبل خروجي نصحني الطبيب بالابتعاد عن المخدرات والمسكرات، وأخبرني بأن حالتي سيئة جداً وأني إذا استمريت على هذه الحال فستكون النهاية مؤلمة، فخرجت من المستشفى وأحسست بأني قد منحت حياة أخرى جديدة، وأن الله أراد بي خيراً، فكنت فيما بعد كلما شممت رائحة الحشيش أصابني مثل ما أصابني في تلك الليلة: ألم في قلبي، وضيق في التنفس، فيأتيني ذكر الموت في تلك اللحظات فأطفئ السيجارة، وأتذكر تلك اللحظات التي مررت بها وأنا في المستشفى، وكنت كلما نمت بالليل أشعر بأن أحداً يوقظني ويقول لي: قم واستيقظ وصل لله، فأتذكر الموت، وأتذكر الجنة والنار والقبر، كما كنت أتذكر اسمين من أصحابي لقيا حتفهما على حال لا يعلمها إلا الله، فكنت أخاف أن يكون مصيري كمصيرهما، فكنت أقوم آخر الليل فأصلي ركعتين، ولم أكن أعرف صلاة الوتر في ذلك الحين، ثم بدأت بعدها أحافظ على الصلوات المفروضة، وكنت كلما شممت رائحة الحشيش أو الدخان أتذكر الموت فأتركهما، وبقيت على هذه الحال أربعة أشهر أو أكثر حتى قيض الله لي أحد الشباب الصالحين، فالتقطني من بين أولئك الأشرار وأخذني معه إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وبعدها رأيت حياة جديدة ورأيت نوراً بدأ يشع في قلبي، فبدأت أستشعر نعمة الهداية والإيمان، وعدت إلى الله وتبت إليه بعد أن أمهلني الله مرات ومرات.

فنصيحتي للشباب أن يحذروا من شياطين الإنس ورفقاء السوء الذين كانوا سبباً في شقائي وتعاستي لسنوات طويلة، ولولا رأفة الله ورحمته حيث أنقذني من بين أيديهم لكنت من الخاسرين، فأسأل الله أن يتوب علي وعلى جميع المذنبين والعاصين إنه تواب رحيم.

فهذه قصة ومثلها كثير، فإن كان الله أمهل هذا الشاب فكثيرون قد ماتوا في دورات المياه، وفي أحضان المومسات والفاجرات.

فيا صاحب الخطايا أين الدموع الجارية ويا أسير المعاصي ابك على الذنوب الماضية ويا مبارزاً لله بالقبائح أتصبر على النار الهاوية ويا ناسياً ذنوبه والصحف للمنسي حاوية أسفاً لك إذا جاءك الموت وما أنبت واحسرة لك إذا دعيت إلى التوبة فما أجبت كيف تصنع إذا نودي بالرحيل وما تأهبت ألست الذي بارزت بالكبائر وما لله راقبت إن لسان حال الغافلين: قد مضى في اللهو عمري، وتناهى فيه أمري.

شمر الأكياس وأنا واقف قد شيب أمري بان ربح الناس دوني وأنا قد بان خسري ليتني أقبل وعظي ليتني أسمع زجري كل يوم أنا رهن بين آثامي ووزري ل