للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَالَ بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ: حُجَّةٌ وَكُلُّ مَنِ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَالَ: إِجْمَاعٌ وَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا إِلَّا أَنَّ كَوْنَهُ حُجَّةً أَظْهَرُ؛ لأِنَّهُ لا قَوْلَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى خِلافِهِ.

ومن هذه الكلمة أخذنا ميل المصنّف إلى التجويز.

وللخَصْمِ أن يقول: لا فرقَ بين موت القَائِلِ، وتغير اجتهاده؛ وهذا لأن تغير الاجتهاد لا لخرج الأول عن كونه قولًا لبعض المجتهدين، ولو رجع المجتهد عن فَتْوَاهُ في مسألة جاز للعامي تقليده في المرجوع عنه ما لم يتيقّن الخطأ؛ لأنه يتبع أقوال المجتهدين في مواطن الاجتهاد لا قائليها (١)، وهذه أقوال الشَّافعي في القديم لم تخرج بكونها مرجوعًا عنها عن أن تكون قول مجتهد للعامي انتحاله.

ولذلك لا ينتقض الاجتهاد بالاجتهاد، بل يبقى حكمه ما لم يقطع بالخطأ.

فإن قلت: فقد قالوا فيما إذا علم المستفتي برجوع المفتي، ولم يكن عمل لم يجز له العمل، وأنه لو نكح بِفَتْوَاهُ أو استمر على نكاح بفتواه، ثم رجع لزمه فراقها لنظيره في القبْلَةِ.

قلت: هذا مذهبنا، ولكن لا نَدْرِي ماذا يقول الخصم فيه؟ ولعله يقول: لعل ذلك إمَّا أنه لو عمل به؛ لأنه قول مجتهد لم يجمع على خلافه، ولم يقم قاطعّ على فساده فلا أرى (٢) ذلك ممتنعًا.

وإما؛ لأنه بتقليده؛ أو لالتزام تقليده، فلا بعد عنه بناء على أن من قلَّدَ مجتهدًا في مسألة وجب عليه الانقياد له في سائر المَسَائل.

فإن قلت: فقد حكوا وجهين فيما إذا استفتى العَامّي فأجيب، ثم حدثت له تلك الحادثة ثانيًا، وعرف استناد المُفْتي إلى الرأي والقياس، أو شَك وهو هي أصحهما، يلزمه السؤال ثانيًا.

قلت: قد يقال: لأنه لم يَبْقَ ببقاء المسألة من المجتهدات؛ لاحتمال طَرَيَان (٣) إجماع على خلاف ما أفتى به المفتي فيها؛ أو لأنه مقلّد للمفتي، ولعلَّه رجع.

والحاصلُ: أن من يقول: المَوْتُ لا يذهب قول القائلين قد يقول ذلك في تغيَّر الاجتهاد، فإن قيل له: طرأ إجماع (٤) قاطع. يقول: إن صلح قاطعًا للاجتهاد السَّابق، فليقطع قول الميت.

وقد يفرق - وهو الحق - بأن الميت يعطي حكم المصمم (٥) على مَقَالته؛ لأنه آخر الأمرين منه، بخلاف من أقرَّ على نفسه بالرُّجُوع.


(١) في ت، ح: قائلها.
(٢) في ح: أدري.
(٣) في ت، ح: جريان.
(٤) في ت، ح: اجتماع.
(٥) في ت: التصميم.

<<  <  ج: ص:  >  >>