للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقرب، قال السخاوي: "تزايد ندمه - يعني ابن حجر - على القبول - قبول القضاء - لعدم فرق أرباب الدولة بين العلماء وغيرهم، ومبالغتهم في اللوم لرد إِشاراتهم وإِن لم تكن على وفق الحق، بل يعادون على ذلك واحتياجه لمداراة كبيرهم وصغيرهم بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكلّ ما يرومونه على وجه العدل، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد أمرهم … " (١).

وقد ندم التاج نفسه على قضاء والده، وقال: ليته ما فعل (٢)!! وما كان يتهم والده كيف وقد شهد له الأقاصي والأداني بالنزاهة، والعدل، وبراءة الساحة من ذر الظلم.

قال الصلاح الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "لم أر أحدًا من نواب الشام ولا من غيرهم تعرض له "يعني القضاء" فأفلح، بل يقع له إِما عزل وإِما موت. جربنا هذا، وشاع، وذاع حتى قلت له - يعني الشيخ تقي الدين - يومًا: يا سيدي دع أمر هذه القرية - يعني دمشق -، فإِنك قد أتلفت فيها عددًا، وملك الأمراء وغيرهم في ناحية وأنت وحدك في ناحية، وأخشى أن يترتَّب على ذلك شر كثير، فما كان جوابه إِلا أنشد: [الطويل]

وَلَيْتَ الَّذِي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْني وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ (٣)

على أن التاج السبكي بعد تعرضه لمحن العزل من القضاء - وهذا من ابتلاء الله لعبده - فقد نصره الله على خصومه، ورفع ذكره، وكيف لا ينصر، وهو "أبو نصر" وفي الحديث: "لأنصرنك ولو بعد حين"، وقد بارك له صاحبه الصفدي هذه النصرة، فرد على كتابه له سنة ٧٦٣ هـ، وكان يومها بالقاهرة، والصفدي بالشام، فكتب الأخير: "فالحمد لله على النصرة … وما يغلق باب إِلا ويفتح دونه من الخيرات أبواب، وعلى كلّ حال أبو نصر أبو نصر وعبد الوهاب عبد الوهاب … ".

[آثاره]

لم يعش شيخنا تاج الدين السبكي إِلا نحو أربعة وأربعين عامًا، لكن


(١) الضوء اللامع ٢/ ٣٨.
(٢) ونص كلام التاج: "يا لها غلطة أف لها وورطة ليته صمم وما فعلها".
(٣) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة ٣/ ٦٤ - ٦٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>