للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومَعْرِفَتها، وقد حُكِيَ عن ابْنِ عبَّاس تخصيصُ العمومِ، وعنْ بَعْضِهم القولُ بالمَفْهُومِ، ولمنْ بعدِهِم لم يُقَلْ في الأصولِ شيء، ولَمْ يَكُنْ لهم فيه قدمٌ، فإنَّا رأيْنا كُتُب السَّلَف من التابعين، وتابِعِي التَّابِعينَ وغَيْرِهم، وما رأيْنَاهم صنَّفوا فيه".

وقال الشَّيْخ محمَّد أبو زهرة: "وقدِ اختُصَّ الشَّافعيُّ من بين المجتهدينَ الَّذِين سَبَقُوه وعاصَرُوه بأنَّه هو الَّذي حَدَّ أصولَ الاسْتِنْبَاط، وضبَطَها بقواعد عامَّةٍ كلِّيَّةٍ … فكان الشَّافعيُّ بهذا السَّبْق واضِعَ عِلْم أُصُول الفِقْه؛ لأنَّ الفُقَهَاء كانوا قَبْلَه يَجْتَهِدُون من غَيْر أن تكونَ حُدودٌ هناك مرسومةٌ لِلاسْتِنْبَاط.

وقال المستَشْرِق جولد زيهير: وأظْهَرُ مزايا محمَّدِ بنِ إدْرِيِسَ الشِّافعيِّ أنه وضَع نظام الاسْتِنباط الشَّرْعِيِّ من أصول الفقه، وحَدَّد مجالَ كلِّ أصْلٍ من هذه الأُصول، وقَدِ ابتَدَعَ فِي رِسَالَتِهِ نِظامًا لِلقياس العَقْليِّ الذي ينبغي الرُّجُوع إلَيْه في التَّشْرِيع مِنْ غَيْر إخْلالٍ بما للكتاب والسُّنَّة من الشَّأْن المقدَّم، ورتب الاستنباطَ من هذه الأصول ووضَع القَوَاعِدَ؛ لاستعمالها بَعْدما كان جُزَافًا.

ونَخْتَتِمُ ذلك بكلمةٍ للإمام الإسنويِّ حاكيًا الإجْماعَ عما سلف؛ إذ يقول: وكانَ إمَامُنَا الشَّافعيُّ هو المُبْتكِر لهذا العِلْمِ بلا نزاعٍ، وأوَّلَ من صنَّف فيه بالإجْماع، وتصْنيفُه المذكور فيه موجودٌ بحمد الله - تعالى - وهو الكتابُ الجليلُ المشْهُور المَسْمُوع عليه المتصلُ إسْنَادُه الصَّحيحُ إلى زَمانِنَا المَعْرُوفُ بـ "الرِّسَالَة"، الذي أرْسَلَ الإمامُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مهديٍّ من "خُرَاسَانَ" إلى الشافعيِّ بـ "مِصرَ" فصنَّفَه لَه، وتنافَسَ في تحْصيله علماءُ عَصْره.

الرِّسَالَةُ والشَافِعِيُّ:

قال العلَّامة أحْمَد شَاكِر: والشافعيُّ لم يُسَمِّ "الرسالةَ" بِهذا الاسْم، إنَّما يُسمِّيها "الكتاب" أو يقولُ: "كِتَابِي"، أو "كِتَابنا" (١).

ويقول في كتابه "جِمَاعُ العِلْمِ" مُشِيرًا إلى "الرِّسَالة": "وفيما وصَفْنا - ههنا - وفي "الكِتَاب" قبل هذا" (٢). ويَظهر أنَّها سُمِّيَتِ "الرسالة" في عَصْره، بسبب إرْسَاله إيَّاها


(١) ينظر: الرسالة فقرة: ٩٦، ٤١٨، ٤٢٠، ٥٧٣، ٦٢٥، ٧٠٩، ٩٥٣.
(٢) ينظر: الأم ٧/ ٢٥٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>