للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مقدِّمات، إنَّما هو نتائجُ لتعليم الرَّسُول لهم هذهِ القواعِدَ. حيثُ تمَّ في عصْر الرسُول تأصيلُ مصادِرِ الشَّرِيعة الرَّئِيسيَّة المَشْهُورة في عَصْره.

ومن ناحية أُخْرَى، فقَدْ أوْضَح الرَّسُول بالقرآن، أو بسُنَّته - بأعتبارهما المصْدَرَيْن الأساسيَّيْن لشريعة الله تعالى - كثيرًا من المبادئ العامَّة، والقواعد الرَّئيسيَّة التي يجبُ على المجتهد أنْ يَحْذُو حَذْوَها في اجْتهاده.

ومن أمثلة ذلك فهْمُ النُّصُوص باللِّسان العربيِّ، لأنَّ الله تعالى قد بيَّن في كتابه أنَّه أنزله باللِّسان العربيِّ، وأنَّ الصحابة فَهِمُوا مِنْ صيغة الأمْر أنَّها تَكون للطَّلَب، كما فهموا من صيغة النَّهْي أنَّها تكون لعَدَمِ الفِعْل.

مثال صيغة الأمْر:

ما روي من أن رسول الله مَرَّ على أُبَيِّ بْن كَعْبٍ، وهو في الصَّلاة، فدعاه، فلَمْ

يُجِبْه، ثم اعتذَرَ إلَيْه؛ أنه كان في الصلاة، فقال له: ألَمْ تَسْمَعِ الله يَقُول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ﴿سورة الأنفال: الآية ٢٤﴾ قال: بلى، يا رسول الله، لا أَعودُ (١). حيث فهم أبيُّ بنُ كَعْبٍ أن صيغة الأمْر للوجوب، إلَّا أنه اسْتَثْنى حالَتَهُ من ذلك.

ومثال صيغة النَّهْي:

روتْ أُمُّ عطيَّةَ أنها قالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا" (٢).

وفي هذا يقولُ الحافظُ ابنُ حَجَر: عند تعليقه على هذا الحَدِيثِ: أي: ولم يُؤكِّد عَلَيْنا في المَنْع، كما أُكِّدَ عَلَيْنا في غَيْره من المَنْهِيَّات، فكأنَّها قالَتْ: كُرِه لنا اتِّبَاعُ الجنائِزِ مِنْ غَيْر تَحْرِيمٍ. والقصَّة هنا نَهْيٌ بَعْدَ إباحَةٍ، فكان ظاهرًا في التَّحْريم، فأرادت أن تُبيِّن لهم أنَّه لم يُصَرَّح لهم بالتحريم.


(١) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ١٤٣ في كتاب "فضائل القرآن" باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب حديث ٢٨٧٥، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٢ - ٣١٣، والبغوي في شرح السُّنة ٢/ ٣٣٩.
(٢) أخرجه البخاري ٣/ ١٧٣ في كتاب الجنائز باب اتباع النساء الجنائز حديث ١٢٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>