للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثم أدى ذلك بهم إلى تكفير العوام أجمع، وهذا هو الحطة الشنعاء، والدَّاء العُضَال، وإذا كان السواد الأعظم هم العوام، وبهم قوام الدِّين، وعليهم مَدَار رجال الإِسلام، ولعل لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة ألف، والمائتي ألف ممن يقوم بالشرائط التي يعتبرونها إِلا الفذّ الشَّارد والشَّاذ والنَّادر، ولعله لا يبلغ عقد العشرة، فمتى يجد المسلم من قلبه أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع، ويعتقد أنهم لا عقيدة لهم في أصول الدين أصلًا، وأنهم أمثال البَهَائم والدواب المسخّرة؟! انتهى كلام ابن السَّمْعَاني، وذكر بعده حكايات تؤيد ما ذكره، وقد اكتفينا بما أوردناه منه عما لم نورده، وأتينا بما أوردناه مع طوله؛ لأنه حسن حق.

فائدة أخرى: ذكر أبو زيد الدبوسي من الحنفية فصلًا في "الإِلْهَام" عقب ذكره إبطال التقليد، وأصحابنا لم يتكلّموا في ذلك، وإنما ذكره ابن السَّمْعَاني عن أبي زيد، ثم تكلم عليه، فقال أبو زيد: الإلهام (١) ما حرك القلب بعلم يدعوك إِلى العلم من غير استدلال بآية،


(١) أما تفسيره لغة - فإيقاع شيء في قلب العاقل يفضي إلى العمل بل ويحمله عليه ويميل قلبه إليه حقًّا كان أو باطلًا.
قال الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
وذلك قد يكون بواسطة الشيطان وهوى النفس، فيسمى (وسْوسةً).
وأما في العرف: فمستعمل فيما يقع في القلب بطريق الحق - دون الباطل، ويدعوه إلى مباشرة الخيرات، دون الشهوات والأماني.
وهذا حد صحيح؛ فإن الإلهام في عرف الناس: ما يكون من الله تعالى بطريق الحق.
وقيل: ما يخلق الله تعالى في قلب العاقل من العلم الضروري الداعي إلى العمل المرغوب فيه.
وأما حده وحقيقته عند أهل الأصول.
فقال بعضهم: هو اتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه أو أشار إليه من أمر في غير نظر واستدلال.
وإنه تعريف غير صحيح؛ لأن الإلهام تنوع: قد يكون حقًّا، وذلك من الله تعالى، فيكون وحيًا خفيًّا في حق الأنبياء، وفي حق غير الأنبياء إرشادًا وهداية.
وقد يكون باطلًا، وذلك بواسطة وسوسة الشيطان وهوى النفس.
وخالق ذلك: هو الله تعالى وإن كان شرًّا وفاسدًا.
ووسوسة الشيطان وهوى النفس: سبب ذلك على جريان العادة، ويكون ذلك في الحقيقة =

<<  <  ج: ص:  >  >>