للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَعْرِيفُ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ

لا شكَّ أن الشُّروع في العِلْم يَتَوقَّف على تصوُّره بوَجْهٍ مَا؛ لأنَّ الطالب إِذَا لَمْ يتصوَّرِ العِلْم بِوَجْهٍ، استعصى طلبه، واستحالَتْ طرقه، ولكي يحيطَ الطالبُ بجميع مسائله وفروعه، لا بُدَّ أن يتصوَّره بتعريفه؛ باعتبارِهِ أمْرًا شاملًا له يُمَيِّزه ويَضْبِطُه عمَّا عداه.

ويُدْرِك الطالبُ أن ما يُورَدُ عَلَيْه من العِلْم المَطْلُوبِ لَه لا مِنْ غيره، فيَأْمَنُ من فوات شيء مما يعنيه، وضياع الوقت فيما لا يعنيه.

قَالَ الإِمَامُ في "البُرْهان" (١): "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ يُحَاوِلُ الخَوْضَ في فَنٍّ مِنْ فُنُونِ العُلُوم، أنْ يُحِيط بِالمَقْصُودِ مِنْه، وبِالمَوَادِّ الَّتِي مِنْهَا يَسْتَمِدُّ ذلِكَ الفَنُّ وبِحَقِيقَتِهِ وَفَنِّهِ وَحدِّهِ، إِنْ أَمْكَنَتْ عِبَارَةٌ سَدِيدَةٌ عَلَى صِنَاعَةِ الحَدِّ، وَإِنْ عَسُرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَاوِلَ الدَّرَكَ بِمَسْلَكِ التَّقَاسِيمِ، والغَرَضُ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ الإِقْدَامُ عَلَى تَعَلُّمِهِ مَعَ حَظٍّ مِنَ العِلْمِ الجُمَلِيِّ بِالْعِلْمِ الَّذِي يُحَاوِلُ الخَوْضَ فِيهِ".

وَقَالَ الآمِديُّ في "الإِحْكَام" (٢): "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ حَاوَلَ تَحْصِيلَ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ، أَنْ يَتَصَوَّرَ مَعْنَاهُ أوَّلًا بِالحَدِّ أوِ الرَّسمِ؛ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يَطْلُبُه، وأَنْ يَعْرِفَ مَوْضُوعَهُ - وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي ذلِكَ العِلْم عَنْ أَحْوَالِهِ العَارِضَةِ لَهُ - تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمَا هُوَ الغَايَةُ المَقْصُودَةُ مِنْ تَحْصِيلِهِ، حَتَّى لا يَكُونَ سَعْيُهُ عَبَثًا، وَمَا عَنْهُ البَحْثُ فِيهِ مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ مَسَائِلُهُ لِتَصَوُّرِ طَلَبِهَا، وَمَا مِنْهُ اسْتِمْدادُهُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ عِنْدَ رَوْمِ تَحْقِيقهِ إِلَيْهِ، وَأَنْ


(١) البرهان ١/ ٨٣ فقرة (أ).
(٢) الإِحكام في أصول الأحكام ١/ ٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>