للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[العلم والكتابة]

والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: أولاً: العلم، وثانياً: الكتابة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} ، هذا دليل على العلم، {وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [الأنعام:٥٩] ، هذا دليل على الكتابة.

كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) أي: أنه تعالى علم ما سوف يحدث من أول الدنيا إلى آخرها، وأثبت ذلك، وليس في ذلك صعوبة على الله، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:٢٢] يعني: علمه وكتابته للأشياء قبل وقوعها يسير عليه ليس فيه صعوبة؛ لأنه هو الذي أوجد الكائنات، فلا يكون في الوجود إلا ما يريد، وحيث إنها تكون بإرادته سبحانه وتعالى، فإنها كذلك كائنة بعد خلقه وبعد إيجاده لها، فهو علمها قبل أن توجد وأثبتها في اللوح المحفوظ كما أخبر بذلك.

وقد كان غلاة القدرية قديماً ينكرون هذا النوع ويقولون: إن الله لا يعلم بالأشياء حتى تقع، وبعضهم يقول: إنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، بمعنى: أنه لا يعلم مفردات الأشياء وإن كان يعلم عموماتها، وقد ورد في حديث: (أن ثلاثة من أهل مكة اجتمعوا في مكان فقال بعضهم: أترون أن الله يسمع ما نقول، فقال الثاني: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا، وقال الثالث مستنكراً: إن كان يسمع جهرنا فإنه يسمع سرنا، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت:٢٢-٢٣]-يعني: أهلككم- {فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت:٢٣] ) فهكذا ظن هؤلاء الذين يظنون أن الله لا يعلم أعمالهم، أو أنه يخفى عليه شيء من أحوالهم، أو أنهم يكونون في مكان أو موضع لا يراهم ربهم أو نحو ذلك.

وفائدة العبد إذا آمن بأن الله عالم بسره وعالم بنجواه، وعالم بأحواله، وعالم بما هو عامل، وإذا علم وآمن بأنه قد كتب أعماله قبل أن يوجده، وقد كتب ما هو كائن، ويعلم ما توسوس به نفسه، ويتحدث به قلبه؛ لا شك أن فائدة ذلك أنه يخاف الله حق الخوف، فإن من علم أن أعماله محصاة عليه، وعلم أنها مكتوبة لا تضيع؛ دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، وأنه سوف يحاسب عليها، وأنه سيوقف عليها كما في قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:٤٧] ؛ فإنه سيخاف الله.

فهذه درجة من درجات القدر، وهي الإيمان بأن الله عالم بالأعمال وبالمخلوقات، وعالم بعددها، وكتب ذلك وأثبته قبل أن توجد المخلوقات بأسرها، وأنه لا يحدث إلا ما علم الله أنه سوف يحدث، في الوقت الذي قدر أنه يحدث فيه دون تقدم أو تأخر.