للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أنواع الموجودات]

قال المؤلف رحمه الله: [فالموجودات نوعان: أحدهما: مسخر بطبعه.

والثاني: متحرك بإرادته، فهدى الأول بما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره، وعلمه بما ينفعه ويضره.

ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: - نوع لا يريد إلا الخير، ولا يتأتى منه إرادة سواه كالملائكة.

- ونوع لا يريد إلا الشر، ولا يتأتى منه إرادة سواه كالشياطين.

- ونوع يتأتى منه إرادة القسمين كالإنسان.

ثم جعله ثلاثة أصناف: - صنف يغلب إيمانه ومعرفته وعقله هواه وشهوته فيلتحق بالملائكة.

- وصنف عكسه فيلتحق بالشياطين.

- وصنف تغلب شهوته البهيمية عقله فيلتحق بالبهائم.

والمقصود: أنه سبحانه أعطى الوجودين العيني والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده، فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته سبحانه وتعالى.

وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً إلخ) : مما يجب أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا من منع سببه وهو العمل الصالح، فإنه {َومَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً} [طه:١١٢] ، وكذلك لا يعاقب أحداً إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:٣٠] .

وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، لكن إذا من على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح لا يمنعه موجب ذلك أصلاً، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحيث منعه ذلك فلانتفاء سببه وهو العمل الصالح.

ولا ريب أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل، فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله، وأما المسببات بعد نزول أسبابها فلا يمنعها بحال، إذا لم تكن أسباباً صالحة، إما لفساد في العمل، وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضى أو لوجود المانع.

وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعط ذلك ابتداءً حكمة منه وعدلاً، فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حال، كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، فإنه تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها كما قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:١٢٤] ، وكما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:٥٣] ونحو ذلك، وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى] .