للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَأَيْضًا: لَمْ يُسْمَعْ أَحَدٌ يَقُولُ: الْعِلَّةُ كَذَا أَوْ عَدَمُ كَذَا.

فهو بحيث يستلزم وجوده عدم للمناسب، ولا بد أن يستلزم عدمه وجود المُنَاسب؛ لتحصل الحكمة به، وحينئذ يكون هو نقيض المناسب.

ويكون حاصله: أنه كلما عدم نقيض المناسب، فالحكم كذا، ويجعل عدم نقيض المُنَاسبة مظنّة لوجود المناسب، وهذا لا يصح؛ لأن نقيض المناسب إن كان ظاهرًا، أَغْنَى عن المظنة بنفسه، وكان هو العلّة بالحقيقة، وإليه أشار بقوله: "لم يصلح عدمه مظنة لنقيضه؛ لأنه إن كان ظاهرًا تعيّن بنفسه، وإن كان خفيًّا فنقيضه (١) "، وهو ما عدمه مظنة - أيضًا - "خفي" لاستواء النقيضين في الجَلَاءِ والخَفَاءِ.

وإليه أشار بقوله: وإن كان خفيًّا، فنقيضه خفي "ولا يصلح الخَفِيّ مظنة للخفي، وإن لم يكن" منافيًا لمناسب، فالمناسب يحصل عند وجوده كما يحصل عند عدمه، "فوجوده" يكون "كعدمه"، ولا خصوصية لأحدهما به، فلا يكون عدمه خاصّة مظنة للمصلحة، فلا تصلح علة، وقد فرضناه علة، وهذا خلف.

ولنوضح ذلك بمثال، فنقول: إِذا قلنا: بيع الآبِقِ باطل؛ لعدم القدرة على التسليم، فبطلانه إِما لأن في البطلان مصلحة، فيلزم من اعتبار عدمه تفويتها، أو مفسدة، فغايته أن الإِبَاقَ مانع، فما المقتضي للبطلان؟.

وإما لا لهذين، فإما أن يكون منافيًا لمناسب البطلان كما لا يملك مثلًا، فإن بيعه مناسب للبُطْلَان.

الشرح: "وأيضًا" مما يدلّ على أنه لا يعلل الثبوتي بالعدمي: أنه "لم يسع أحد" من العلماء "يقول: العلّة كذا، أو عدم كذا، مع كثرة السَّبْرِ والتقسيم، ولو كان حقًّا لسمع ولو قليلًا.

ولقائل أن يَقُولَ: قد سمع كثيرًا، كما قالوا في بيع الآبِقِ: باطل؛ لعدم القدرة على التسليم، وعلة تصرف الولي في موليه المجنون: عدم التمييز، وهو مما لا ينحصر.


(١) في ب: يقتضيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>