للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَالْمَبَادِئُ: حَدُّه، وَفَائِدَتُه، وَاسْتِمْدَادُهُ".

وإنما حصرنا (١) الثَّاني فيما ذكرناه؛ لأنَّ الغرض (٢) إنَّما هو استنباط الأحكام.

الشرح: فالمبادئ ثلاثة (٣):

"حدُّهُ": أولها؛ لأن كلّ طالب كثرةٍ يضبطها جهةٌ واحدةٌ، من حقه عرفانُها بتلك الجهة؛ إذ


(١) في حاشية ج: قوله: "وإنما حصرنا الثاني أي: بقوله: والأول إما أن يبحث … إلخ فمراده بالثاني ما ذكره بقوله" والأول … إلخ.
(٢) في حاشية ج: قوله: "لأن الغرض … " إلخ فلما كان الغرض هو الاستنباط فالبحث إما عن نفسه أو عما يستنبط منه إما باعتبار معارضه أو باعتبار ذاته.
(٣) عد أهل العلم مبادئ كل علم عشرة، ذكر المصنف بعضها والبعض الآخر قد فصلناه في تقدمتنا على هذا الكتاب فليراجع، وقد نظمها بعضهم فقال:
مَنْ رَامَ عِلْمًا فَلْيُقْدِّمْ أَوَّلا … عِلْمًا بِحَدِّهِ وَمَوْضُوعٍ تَلا
وَوَاضِعٍ وَنِسْبَةٍ وَمُسْتَمِدّ … مِنْهُ وَفَضْلِهِ، وَحكْمٍ يُعْتَمَدْ
وَاسْمٍ وَمَا أَفَادَ وَالْمَسَائِلْ … فَتِلْكَ عَشْرٌ لِلْمُنَى وَسَائِلْ
وَبَعْضُهُمْ مِنْهَا عَلَى البَعْضِ اقْتَصَرْ … وَمَنْ يَكُنْ يَدْرِي جَمِيعَهَا انْتَصَرْ
"أما الحد، فلإحاطته بجميع مسائل العلم إجمالًا فقط، وضبطها على كثرتها، فبتصوره يأمن الطالب فوات ما يرجيه من تلك المسائل وضياع الوقت فيما لا يعنيه بطلب ما هو أجنبي عنها.
وأما الموضوع؛ فلأنه به يقع امتياز العلم المطلوب من غيره؛ لأن العلوم جنس واحد، وإنما تنوعت وتميزت بتغاير الموضوعات حتى إنه لو لم يكن لعلم موضوع مغاير لموضوع علم آخر بالذات كموضوعي النحو والطب، وهما اللفظ العربي بعد التركيب وبدن الإنسان أو بالاعتبار كموضوعي المعاني والبيان، وهما اللفظ العربي المركب، لكن الأول يبحث عنه من حيث المطابقة للحال، والثاني يبحث عنه من حيث تفاوته في وضوح الدلالة لم يصح كونهما علمين وتعريفهما بتعريفين مختلفين، وموضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية، وعنوا بالذاتية ما يلحق الشيء لذاته كإدراك الأمور الغريبة للإنسان أو لأمر يساويه لتعجب للإنسان بواسطة إدراك الأمور الغريبة الذي هو مساوٍ للإنسان، أي: خاص به أو لجزئه الأعم كالتحرك للإنسان؛ لأنه حيوان مثلًا، وموضوع الفقه أفعال المكلفين؛ لأنه يبحث فيه عن أعراضها الذاتية من وجوب، وحرمة، وغيرهما، وموضوع الحساب الأعداد؛ لأنه يبحث فيه عن أعراضه الذاتية من جمع، وطرح، وضرب، وغيرها، وموضوع الفرائض التركات؛ لأنه يبحث فيه عن أعراضها الذاتية من قسمة وغيرها.
وأما الواضع؛ فلأن معرفته مما له دَخْلٌ في دواعي الإقْبَال، وأما الشبة؛ فلأن بمعرفتها يطلع على أن العلم المطلوب يستمد من علم آخر فيكون الآخر أعلى ويستمد منه آخر فيكون الآخر أسفل، وكل =

<<  <  ج: ص:  >  >>