للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالُوا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ قَبْلَ مَجِيءِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا لا قَطْعَ فِيهِ سَائِغٌ فِيهِ الاِجْتِهَاد، فَلَوِ اعْتُبِرَ غَيْرُهُمْ خُولفَ إِجْمَاعُهُمْ وَتَعَارَضَ الإجْمَاعَانِ.

وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لازِمٌ فِي الصَّحَابَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِ إِجْمَاعِهِمْ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الإجْمَاعِ.

الشرح: "قالوا: إجماع الصَّحابة قبل مجيء التَّابعين (١) وغيرهم" منعقد "على أن ما لا قَطْعَ فيه سائغ (٢) فيه الاجتهاد، فلو اعتبر غيرهم" لكانوا إذا أجمعوا في مسألة اجتهادية على تحريم مخالفتهم (٣) فيها؛ لأن هذا شأن الإجماع.

وقد وقع إجماعُ الصحابةِ على جواز الاجتهاد فيها، وإذا اتفق ذلك "خولف إجماعهم، وتعارض الإجماعان" من الصَّحَابة ومن بعدهم.

"وأجيب: بأنه لازم في الصَّحابة قبل تحقق إجماعهم" على الحكم، فإنهم مجمعون (٤) على أن الاجتهاد سائغ، ثم يرتفع ذلك بالإجماع، "فوجب أن يكون ذلك" الإجماع الأول على أن ما لا قطع فيه اجتهادي "مشروطًا بعدم الإجماع" على الحكم، فمتى حصل زال شرط الإجماع الأول.


(١) وقال الخطيب: التابعي من صحب صحابيًا، ولا يكتفي فيه بمجرد اللقي، بخلاف الصحابي مع النبي ، فإنه يكتفي فيه بذلك، لشرف النبيّ ؛ وعلو منزلته فالاجتماع به يؤثر في النور القلبي أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار. وقال أكثر المحدثين: هو من لقي صحابيًا وإن لم يصحبه، ولذلك ذكر مسلم وابن حبان "الأعمش" في طبقة التابعين؛ لأن له لقيًا وحفظًا، رأى أنس بن مالك وإن لم يصح له سماعٍ المسند عنه. وعد الحافظ عبد الغني فيهم "يحيى بن أبي كثير" لكونه لقي أنسًا، وعد فيهم أيضًا "موسى بن أبي عائشة" لكونه لقي عمرو بن حريث. واشترط ابن حبان التمييز عند اللقي، فإن كان صغيرًا لم يضبط فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة عده من أتباع التابعين وإن رأى عمرو بن حريث؛ لكونه كان صغيرًا لا يميز. قال العراقي: "وما اختاره ابن حبان له وجه كما اشترط في الصحابي رؤيته للنبي وهو مميز". قال: "وقد أشار النبيّ إلى الصحابة والتابعين بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني .. الحديث". فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية".
(٢) في أ، ت، ح: شائع.
(٣) في ب: مخالفيهم.
(٤) في ح: يجمعون.

<<  <  ج: ص:  >  >>