للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فَقِيلَ: لا يُحَدُّ؛ لِعُسْرِهِ.

والقول الآخر: أنه حقيقة في النَّفْسَاني، مجازٌ في اللِّساني، وعكسه المخالفون، وهي الأقوال في أن الكلام حقيقة في ماذا؟

وأظهر قولي شيخنا - وهو المختار عندي - الثاني، وأنه إن أطلق على العبارة فمجاز، وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٨] فأطلق القول على ما في النفس، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وقال - تعالى -: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [سورة تبارك: الآية ١٣] فدل على أن السّر والجَهْر صفتان للقول الكامن في النَّفس، ولسنا نقول.

وكان الشَّيخ الإمام يَتْلُو هنا قوله - تعالى - حكاية عن يوسف : ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٧]، وهو لطيف.

وقال عمر يوم "السَّقيفة" (١): كنت زوَّرتُ في نفسي كلامًا.


(١) اجتمع المسلمون قبل دَفْنِ الرسول في "سقيفة بني ساعدة". وهي ظلَّة كانت بالقرب من دار سعد بن عبادة، وتشاوروا في أمر الخلافة وفيمن يقوم بها. وتعتبر "سقيفة بني ساعدة" حدثًا تاريخيًا من أبرز المعالم على طريق التاريخ المبكر للإسلام، ويرى جم غفير من أهل الفكر أنها نقطة تحول خطير، ومنعطف شديد الالتواء، لا في التاريخ الإسلامي وحده، بل في التاريخ الإنساني كله من لحظة أن حولتْ أولهما - عن مجراه، وخرجت على خلاف المنتظر أو المظنون بتراث رسول الله من حَوْزَةِ الأعزة الكرام من آل بيته الأطهار، إلى حوزة رفيق الغار! ..
وما من أحد يعلم ما كان سيبلغه الإسلام من سعة الانتشار، وقوة الرسوخ، ولا ما كانت ستبلغه الدولة الإسلامية من شَأْوِ العظمة، وسطوة السلطان لو سارت الأمور على خلاف ما سارت عليه نتيجة لذلك التحول الكبير. وهذا بعض ما حدث في "سقيفة بني ساعدة":
قال ابن إسحاق في السيرة: لما توفي رسول الله قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وأن رسول الله والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران - فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعنَّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجالٍ وأرجلهم زعموا أن رسول الله مات. وروى محمد بن إسماعيل البخاري في "صحيحه" عن أبي سلمة: أن عائشة - زوج النبيّ أخبرته قالت: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسُّنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم النبي وهو مُسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكَبَّ عليه فقبله وبكى، ثم قال، بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين أبدًا، أما الموتةُ التي كتبت عليك فقد مُتَّها. =

<<  <  ج: ص:  >  >>