للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالُوا: أَدِلَّتُكُمْ تَأْبَاهُ.

قُلْنَا: انْتَفَى الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي مِثْلِهِ، وَانْتَفَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ مِثْلِهِ فِي النَّقِيضِ، وَانْتَفَى الثَّالِثُ؛ لِأَنَّا نُخَطِّئُ الْمُخَالِفَ لَوْ وَقَعَ.

قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] فَنَهَى وَذَمَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَلَوْ لَمْ يُفِدِ الْعِلْمَ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ لاِمْتِنَاعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَمَّ الشَّارعُ.

الشرح: قال: "قالوا: أدلّتكم تأباه" - يعني التي ذكرناها - على أنه لا تفيد مع عدم القرينة علمًا؛ فإن الأدلَّة بعينها قائمةٌ مع القرينة.

قال: "قلنا: انتفى الأول؛ لأنه مطرد في مثله"، فإنا نقول: خبر كلّ عدل مع القرينة يوجب (١) العلم، بخلاف ما إذا لم تكن قرينة؛ إذ لا اطّراد، "وانتفى الثَّاني؛ لأنه يستحيل (٢) حصول مثله في النَّقِيض" - ولا يتصوّر تعارض خبرين مَحْفُوفين بالقرائن، بخلاف غير المحفوفين "وانتفى الثالث؛ لأنَّا نخطئ المُخَالف لو وقع"، و [لا] (٣) كذلك ثمّ.

الشرح: قالوا في الاحْتِجَاج على أن خبر الواحد مطلقًا مفيدٌ للعلم: " ﴿وَلَا تَقْفُ" مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦]، " ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] "نهى" في الآية الأولى عن اتباع ما لا يعلم، ومن جملته الظن، "وذَمّ" على اتباع الظَّن في الثانية، "فدلَّ على أنه ممنوع"، والإجماع منعقد على العمل بخبر الواحد؛ فدلَّ على أنه مفيد للعلم.

والمُرَاد بالإجماع هنا الاتفاق بين الخَصْمَيْنِ القائل بأنه يفيد العلم، وأنه يفيد الظن، وإلا ففي الأمّة من يمنع العمل بخبر الواحد، ويقال: إن خلاف ذلك لا يعتدّ به.


= القتيل عندي فارضه منه يا رسول الله. فقال أَبُو بَكْر: لاهَا الله إِذًا. لا يعمد إلى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله : "صدق فأعطه إِيَّاهُ"، فأعطانيه، فبعت الدرع فاشتريت به مخرفًا في بني سَلَمَة، فَإِنَّه لأَوَّلُ مال تَأَثَّلْتُه في الإسْلامِ.
يُسْتَدَلُّ بهذا على أنه تقبل شهادة الشاهد الواحد متى ظهر صدقه، وغير ذلك من الأمثلة كثير، مَنْ نَظَرَ فيها علم أَنَّ الشريعة لا تعول إِلَّا على ظهور الحق، فمتى استبان وأسفرت طريق العدل، فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ. ينظر: المغرب ١/ ٩٨.
(١) في ب: أوجب.
(٢) في ب: مستحيل.
(٣) سقط في ح.

<<  <  ج: ص:  >  >>