للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال عبد الله سألت أبي عن مسجد خرب: ترى أن تباع أرضه، وينفق على مسجد آخر أحدثوه؟، قال: إذا لم يكن له جيران ولم يكن أحد يعمره فلا أرى به بأسًا أن يباع وينفق على الآخر. وقال القاضي أبو يعلى: "في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض، ويجعل تحته سقاية وحوانيت، وامتنع بعضهم من ذلك؟ قال: ينظر إلى قول أكثرهم، ولا بأس به، قال أبو يعلى: فظاهر هذا أنه أجاز أن يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود إلى المسجد" (١).

ثم ذكر أن بعض أصحاب المذهب حاول التكلف في حمل رواية أحمد هذه حالة الابتداء قبل بناء المسجد، فقال: "وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصّه، فإنه نصّ صريح في المسجد المبني، وليس في ابتداء بناء المسجد، لأن الأخير لا نزاع فيه" (٢).

ثم ردّ ابن تيمية على من قال بعدم جواز النقل والإبدال إلا عند تعذر الانتفاع بأنه ليس لهم على ذلك حجة شرعية، ولا مذهبية، بل دلت الأدلة الشرعية وأقوال صاحب المذهب على خلاف ذلك، وقد قال أحمد: إذا كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه، وضيقه بأهله لم يعطل نفعه، بل نفعه باق كما كان، ولكن الناس زادوا، وقد أمكن أن يبني لهم مسجد آخر، وليس من شرط المسجد أن يسع جميع الناس، ومع هذا جوز تحويله إلى موضع آخر، لأن اجتماع الناس في مسجد واحد أفضل من تفريقهم في مسجدين، لأن الجمع كلما كان أكثر كان أفضل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحبّ إلى الله تعالى" (٣).

وقد أمر عمر - رضي الله عنه - بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر، وصار الأول سوق التمارين للمصلحة الراجحة، لا لأجل تعطل منفعة تلك المساجد، فإنه لم يتعطل نفعها، بل ما زال باقيًا، وقد فعل عمر ذلك بمشهد الصحابة ولم يرد إلينا أنه


(١) مجموع الفتاوي، ابن تيمية، ٣١/ ٢١٧.
(٢) المرجع السابق، ٣١/ ٢١٩.
(٣) سنن أبي داود، كتاب الصلاة مع عون المعبود، ٢/ ٢٦٠، ومسند أحمد، ٥/ ١٤٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>