للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[مسافرون]

يقول ابن القيم رحمه الله: (لم يزل الناس مذ خلقوا مسافرين، وليس لهم حط لرحالهم إلا في الجنة دار النعيم أو في النار دار الجحيم، والعاقل يعلم أن السفر بطبعه مبنيٌ على المشقة والأخطار بل هو قطعة من العذاب واللاواء، ومن المحال أن يطلب في السفر عادة النعيم والراحة واللذة والهناء، فكل وطأة قدم أو أنة من أناة المسافر بحساب، وكل لحظة ووقت من أوقات السفر غير واقفة والمسافر غير واقف. فإذا ما نزل المسافر أو نام أو استراح فهو على قدم الاستعداد للسير في قطع المفاوز والقفار. وقد انعقد المضمار وخفي السابق، والناس في هذا المضمار بين فارس وبين راجل وبين أصحاب حمر معقرة.

سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار

وفاز بالسبق من قد جد وانقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب

إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع

هلكى هذا السفر كثير وكثير، والناجون فيه قليل، الناجي فيه واحد من ألف وكفى، لا تعجب لهالك كيف هلك ولكن أعجب لناج كيف نجا، الرواحل قليلة والبعض في هذا السفر كإبل سائبة لا تكاد تجد فيها راحلة، والبعض الآخر كإبل نجيبة صابرة نادرة وأنعم بها من راحلة، النجائب في المقدمة وحاملات الزاد في المؤخرة.

رفعت لنا في السير أعلام ... السعادة والهدى يا ذلة الحيران

فتسابق الأبطال وابتدروا لها ... كتسابق الفرسان يوم رهان

وأخو الهوينى في الديار مخلف ... مع شكله يا خيبة الكسلان

إلى كم ذا التخلف والتواني ... وكم هذا التمادي في التمادي

وشغل النفس عن طلب المعالي ... ببيع الشعر في سوق الكساد

ولا سبيل إلى ركوب هذا الطريق إلا بأمرين:

أحدهما: ألا يصبوا في الحق إلى لوم لائم فإن اللوم يصيب الفارس فيصرعه عن فرسه.

والثاني: أن تهون عليه نفسه في الله فيقدم حينئذ ولا يخاف الأهوال فمتى خافت النفس تأخرت وأحجمت وإلى الأرض أخلدت.