قال الفرغاني: وحدثني هارون بن عبد العزيز: قال لي أبو جعفر الطبري: أظهرت مذهب الشافعي، واقتديت به ببغداد عشر سنين، وتلقاه مني ابن بشار الأحول أستاذ بن سريج. قال هارون: فلما اتسع علمه أداه اجتهاده وبحثه إلى ما اختاره في كتبه.
قال الفرغاني: وكتب إلي المراغي، قال: لما تقلد الخاقاني الوزارة وجه إلى أبي جعفر الطبري بمال كثير، فامتنع من قبوله، فعرض عليه القضاء فامتنع، فعرض عليه المظالم فأبى، فعاتبه أصحابه وقالوا: لك في هذا ثواب، وتحيي سنة قد درست. وطمعوا في قبوله المظالم، فباكروه ليركب معهم لقبول ذلك، فانتهرهم وقال: قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه. قال: فانصرفنا خجلين.
أبو الفتح بن أبي الفوارس: أخبرنا محمد بن علي بن سهل ابن الإمام -صاحب محمد بن جرير: سمعت محمد بن جرير وهو يكلم ابن صالح الأعلم، وجرى ذكر علي ﵁ ثم قال: محمد بن جرير: من قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى، أيش هو؟ قال: مبتدع. فقال ابن جرير إنكارًا عليه: مبتدع مبتدع! هذا يقتل.
وقال مخلد الباقرحي: أنشدنا محمد بن جرير لنفسه:
إذا أعسرت لم يعلم رفيقي … أستغني فيستغني صديقي
حيائي حافظ لي ماء وجهي … ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت بماء وجهي … لكنت إلى العلا سهل الطريق
وله:
خلقان لا أرضى فعالهما … بطر الغنى ومذلة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرًا … وإذا افتقرت فته على الدهر
قال أبو محمد الفرغاني: حدثني أبو بكر الدينوري، قال: لما كان وقت صلاة الظهر من يوم الاثنين الذي توفي فيه -في آخره- ابن جرير طلب ماء ليجدد وضوءه، فقيل له: تؤخر الظهر تجمع بينها وبين العصر. فأبى وصلى الظهر مفردة، والعصر في وقتها أتم صلاة وأحسنها.
وحضر وقت موته جماعة منهم: أبو بكر بن كامل فقيل له قبل خروج روحه: يا أبا جعفر! أنت الحجة فيما بيننا وبين الله فيما ندين به، فهل من شيء توصينا به من أمر ديننا، وبينة لنا نرجو بها السلامة في معادنا؟ فقال: الذي أدين الله به وأوصيكم هو ما ثبت في