للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

[الفصل الثاني: فيما جاء من الرؤيا المفسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم]

١٠١١ - (خ م ت) سمرة بن جندب - رضي الله عنه -: قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لأصحابه: هل رأَى أحدٌ منكم من رؤيا؟ فَيَقُصُّ عليه ما شاء الله أن يقصَّ، وإنه قال لنا ذَاتَ غَدَاةٍ: إنه أتاني اللَّيْلَةَ آتيان، وإنَّهُما ابْتَعَثَانِي، وإنَّهُمَا قالا لي: انطَلِقْ، وإنَّي انطلقتُ ⦗٥٣١⦘ معهما، وإنَّا أتَيْنا على رَجُلٍ مُضْطَّجِعٍ، وإذا آخرُ قائمٌ عليه بصَخْرةٍ، وإذا هو يَهْوِي بالصخرةِ لرأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَدَهْدَهُ الحَجرُ ها هنا، فَيَتْبَعُ الحجرَ فيأخُذُهُ، فلا يرجِعُ إليه حتَّى يصِحَّ رأْسُهُ كما كان، ثم يعود عليه، فيفعلُ به مثلَ ما فعلَ المرةَ الأولى، قال: قلتُ لهما: سبحانَ الله! ما هذا؟ قال: قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فأتينا على رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لقفاهُ، وإذا آخرُ قائمٌ عليه بِكَلُّوبٍ من حديد، وإذا هو يأتي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ، فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إلى قَفاهُ، ومِنْخَرَهُ إلى قفاهُ، وَعَينَهُ إلى قفاهُ - قال: ورُبَّما قال أبُو رجاءٍ: فَيَشُقُّ - قال: ثم يتحَوَّلُ إلى الجانب الآخر، فَيَفْعَلُ به مثل ما فَعَل بالجانب الأول، قال: فما يفْرَغُ من ذلك الجانب حتى يصِحَّ ذلك الجانبُ كما كان، ثم يعود عليه، فيفعَلُ مثلَ ما فَعَلَ المرّةَ الأولى، «قال: قلتُ: سبحان الله!! ما هذا؟» قال: قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فانطَلَقنا، فَأَتيْنا على مثل التَّنُّورِ، قال: فَأحْسِبُ أنه كان يقول: فإذا فيه لَغَطٌ وأصواتٌ، قال: فاطَّلَعْنا فيه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عُراةٌ، وإذا هُمْ يأتيهم لَهبٌ من أسفلَ منهم، فإذا أَتاهم ذلك اللَّهبُ ضَوْضَوْا، قال: قلتُ [لهما] : ما هؤلاء؟ قال: قالا لي انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، قال: فانطَلَقنا، فَأتينَا على نَهْرٍ حَسِبْتُ أنَّهُ كان يقول: أحْمَرَ مِثْل الدَّم وإذَا في النَّهْرِ رجُلٌ سابِحٌ يسْبَحُ، وإذا على شط النهر رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عنْدهُ حِجَارَة كَثيرة، وإذا ذلك السابح يسْبَحُ ما سَبَحَ، ثم يأتي ذلك الذي قَد جَمَعَ عنْده الحجارة، فَيَفْغَرُ فَاهُ، فَيُلْقِمُهُ حَجَراً، فيَنْطَلِقُ فيَسْبَحُ، ثم يرجعُ إليه، كُلَّما رَجع إليه فَغَر فَاهُ، فأَلْقَمَهُ ⦗٥٣٢⦘ حجراً، قال: قلتُ لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فانطَلَقْناَ، فَأَتيْنا على رَجُل كَرِيه المَرْآة، - أَو كَأكْرَهِ مَا أنت رَاءٍ رجُلاً مَرْأى - وإذا عندَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا ويَسْعَى حَوْلَهَا، قال: قلتُ لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فانطَلقنا، فَأَتيْنا على رَوْضَةٍ مُعَتَّمَةٍ مُعْشِبَةٍ، فيها من كل نَوْر الرَّبيع، وإذَا بيْنَ ظَهْرَيْ الرَّوَضةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لا أكادُ أرى رَأْسَهُ طُولاً في السَّمَاءِ، وإذا حَوْلَ الرَّجُلِ من أكثر ولْدَانٍ رأيتُهم قَطُّ (١) قال: قلتُ [لهما] : ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فانطَلقنا، فَأَتيْنا على دوْحةٍ عَظيَمة، لم أرَ دَوْحَة قطُّ أعظَم منها ولا أحْسَن، قال: قالا لي: ارْق فيها، قال: فَارتَقَيْنَا فيها إلى مَدينةٍ مبنيَّة بلبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، قال: فَأتينا بابَ المدينةِ، فَاْستفتحنا، ففُتِحَ لنا، فدخلناهَا، فَتَلَقَّانَا رِجالٌ شَطْرٌ من خَلقِهم كأحْسَنِ ما أنتَ رَاءٍ، وشَطْر منهم كأقْبَح ما أنتَ رَاءٍ، قال: قالا لهم: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذلك النهر، قال: وإذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يجري كأنَّ مَاءهُ الْمحض في البياض، فَذَهَبَوا، فَوَقَعُوا فيه، ثم رَجعوا إلينا قد ذَهب ذلك السوءُ عنهم، فصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ، قال: قالا لي: هذه جَنَّةُ عَدْنٍ، ⦗٥٣٣⦘ وهَذَاك منزلكَ، قال: فَسَما بَصري صُعُداً، فإذا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابةِ البيضاء، قال: قالا لي: هَذاك منزلُك، قال: قلتُ لهما: بارك اللهُ فيكما، فَذَرَانِي فأدْخُلَهُ، قالا: أما الآنَ فلا، وأنت دَاخِلُهُ، قال: قلت لهما: فإني رأَيتُ منذُ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيتُ؟ قال: قالا لي: أمَا إنَّا سَنُخْبِرُك، أمَّا الرجل الأول الذي أتيتَ عليه يُثْلَغُ رأْسُه بالحجَرِ، فإنَّهُ الرجلُ يأخذ القرآن، فيرفُضُه، وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيتَ عليه يُشَرْشَرُ شِدْقُه إلى قفاه، ومِنْخَرُه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يَغْدُو من بيته، فيكذِبُ الكَذْبة تبلغُ الآفاق، وأما الرِّجال والنساءُ العراةُ الذين هم في مثل بناء التَّنُّور، فإنهم الزُّنَاةُ والزَّواني، وأما الرَّجُلُ الذي أتيتَ عليه يَسبْحُ في النهر، ويُلْقَمُ الحجارةَ، فإنه آكلُ الرِّبا، وأما الرجلُ الكريه المرْآة الذي عند النار يَحُشُّها ويسعى حولها، فإنه مالِكٌ خازنُ جهنم، وأَما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم، وأما الْوِلْدَانُ الذين حَوْلَه، فكل مولود مات على الفِطْرة، قال: فقال بعضُ المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولادُ المشركين، وأَما القوم الذين كانوا شَطْرٌ منهم حَسَنٌ، وشطر منهم قبيحٌ، فإنهم قومٌ خَلَطُوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوَزَ اللهُ عنهم» .

وفي رواية نحو منه، وفيه «رأيتُ اللَّيلْةَ رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرضٍ مُقَدَّسَةٍ» . ⦗٥٣٤⦘

وفيه: «فانطلقنا إلى ثَقْبٍ مثلِ التَّنُّور، أعلاهُ ضَيِّق، وأسفله واسعٌ تَتَوقَّدُ تحته نارٌ، فإذا ارتقت (٢) ارتفعوا، حتى كادوا أن يخرُجوا، وإذا خَمَدَتْ رَجَعُوا فيها، وفيها رجالٌ ونساءٌ عُرَاةٌ» .

وفيه: «حتى أتينا عَلَى نَهَرٍ من دَمٍ - ولم يَشُكَّ -فيه رجلٌ قائم على وَسَطِ النهر، وعلى شاطئ النهر رجلٌ، وبين يديه حِجارةٌ، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أرادَ أنْ يخرج رمى الرجلُ بحجرٍ في فيه، فردَّهُ حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رَمَى في فيه بحجر، فيرجع كما كان» .

وفيه: «فصعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فأدْخَلاني داراً، لم أرَ قطُّ أَحسن منها، فيها رِجالٌ شُيُوخٌ وشبابٌ» .

وفيه: «الذي رأيتَه يُشَقُّ شِدْقُه، فكذَّابٌ يُحَدِّثُ بالكَذبة، فتُحْمَل عنه، حتى تَبْلُغَ الآفاق، فيُصْنَعُ به ما رأَيت إلى يوم القيامة (٣) ، والذي رَأيْتَه يُشْدَخُ رأسُه، فرجلٌ علَّمه اللهُ القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يُفْعَلُ به إلى يوم القيامة، والدَّارُ الأولى التي دخلتَ، دارُ عامةِ المؤمنين، وأمَّا هذه الدَّارُ، فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسَك، فرفعتُ رأسي، فإذا فَوقي مثلُ السحاب، قالا: ذاك منزِلك، قلت: دعاني أدخلُ، قالا: إنَّهُ بَقيَ لك عُمرٌ لم تستكمله، فلو استكملته أتَيْتَ منزِلك» . هذه رواية البخاري.

وأخرج مسلم من أوله طرفاً يسيراً، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا صلى ⦗٥٣٥⦘ الصبحَ أقبَلَ عليهم بوجهه، فقال: «هل رأى أحدٌ منكم البارحة رؤيا؟» . هذا القدر أخرجه منه، ولذلك لم نثبت عليه علامته.

وأخرج الترمذي هذا الفصل أَيضاً مثل مسلم.

وأخرجه أيضاً من رواية أُخرى عن سَمُرَة، وقال: وفيه قصة طويلة، ولم يذكرها يعني بها هذا الحديث بطوله (٤) .

[شَرْحُ الْغَرِيبِ]

(ابتعثاني) الابتعاث: افتعال من البعث، وهو الإنباه والإثارة من النوم.

(يهوي) الهوي: الوقوع من العلو إلى السفل.

(فيثلغ) الثلغ: الشدخ، وقيل: هو أن يضرب الشيء اللين بالشيء الصلب حتى ينشدخ.

(فيتدهده) التدهده: التدحرج، ويروى: «يتدهدى» بياء، ⦗٥٣٦⦘ وهو مثله.

(بكلوب) الكلوب: حديدة معوجة الرأس.

(فيشرشر) يشرشر: يقطع ويشق.

(لغط) اللغط: الضجة والجلبة.

(ضوضوا) الضوضاة [والضوضاء] : أصوات الناس وغلبتهم، يقال منه: ضوضوا بلا همز.

(فغر فاه) إذا فتحه.

(كريه المرآة) فلان كريه المرآة، أي: قبيح المنظر، يقال: امرأة حسنة المرآة والمرأى، أي: حسنة المنظر، وفلان حسن في مرآة العين، أي: في المنظر، ووزنها في الأصل: مَفْعَلَة.

(يحشُّها) حش النار يحشها: إذا أوقدها.

(معتمَّة) أي: طويلة النبات، يقال: اعتم النبت: إذا طال.

(نور) النور بفتح النون: الزهر.

(ظهري) يقال: قعدت بين ظهري القوم وظهرانيهم، أي: بينهم، وقد تقدم شرح ذلك مستقصى في حرف الهمزة.

(دوحة) الدوح: الشجر العظام.

(المحض) من كل شيء: الخالص منه، وهو اللبن الخالص، كأنه سمي بالصفة، ثم استعمل في الصفاء، فقيل: عربي محض، أي: خالص، ونحو ذلك. ⦗٥٣٧⦘

(جنة عدن) عدن بالمكان: إذا أقام به وثبت، يعني: جنة إقامة.

(صُعُداً) يقال: نما النبت صعداً: أي: ازداد طولاً، يريد: ارتفع بصره إلى فوق.

(الربابة) السحابة، وجمعها: رباب، وتكون بيضاء وسوداء، والمراد بها في الحديث: البيضاء.


(١) قال ابن مالك: جاز استعمال قط في المثبت في هذه الرواية وهو جائز، وغفل عن ذلك أكثرهم، فخصوه بالماضي المنفي، وقال الطيبي: أصل التركيب: وإذا حول الرجل ولدان ما رأيت ولداناً قط أكثر منهم، يشهد له قوله: لم أر روضة قط أعظم منها، ولما كان هذا التركيب يتضمن معنى النفي جازت زيادة " من " و " قط " التي تختص بالماضي المنفي، وقال الكرماني: يجوز أن يكون اكتفى بالنفي الذي يلزم التركيب، إذ المعنى: ما رأيتهم أكثر من ذلك، أو يقال: إن النفي مقدر، وسبق نظيره في قوله في صلاة الصبح: فصلى بأطول قيام رأيته قط.
(٢) في البخاري: فإذا اقترب.
(٣) في الأصل: فيصنع بها إلى يوم القيامة.
(٤) البخاري ١٢ / ٣٨٥ و ٣٨٦ و ٣٨٧ و ٣٨٨ في التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، وفي صفة الصلاة، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، وفي التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل من الليل، وفي الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، وفي البيوع، باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، وفي الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، وفي بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، وفي الأنبياء، باب قول الله تعالى {واتخذ الله إبراهيم خليلاً} ، وفي تفسير سورة براءة، باب {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} ، وفي الأدب، باب قول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ، ومسلم رقم (٢٢٧٥) في الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، والترمذي رقم (٢٢٩٥) في الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في الميزان والدلو.

[تعليق أيمن صالح شعبان - ط دار الكتب العلمية]
صحيح: أخرجه أحمد (٥/٨) قال: حدثنا محمد بن جعفر. وفي (٥/٩) قال: سمعت من عباد بن عباد. وفي (٥/١٠) قال: حدثنا عبد الوهاب. و «البخاري» (٢/٦٥، ٤/١٧٠، ٦/٨٦، ٩/٥٥) قال: حدثنا مؤمل بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم. و «النسائي» في الكبرى «تحفة الأشراف» (٤٦٣٠) عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر. (ح) وعن بندار، عن يحيى بن سعيد، وابن أبي عدي، وغندر، وعبد الوهاب الثقفي. و «ابن خزيمة» (٩٤٢) قال: حدثنا بندار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن أبي عدي، وعبد الوهاب (يعني ابن عبد المجيد) ، ومحمد (يعني ابن جعفر) (ح) وحدثناه بندار نحوه من كتاب يحيى بن سعيد، قال: حدثنا يحيى (وقرأه علينا من كتابنا) . سبعتهم - محمد بن جعفر غندر، وعباد بن عباد، وعبد الوهاب، وإسماعيل، ومعتمر، ويحيى، وابن أبي عدي -عن عوف بن أبي جميلة.
* وأخرجه أحمد (٥/١٤) قال: حدثنا يزيد بن هارون. و «البخاري» (١/٢١٤، ٢/١٢٥، ٣/٧٧، ٤/٢٠، ١٤٠، ٨/٣٠) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل. و «مسلم» (٧/٥٨) قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب بن جرير. و «الترمذي» (٢٢٩٤) قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم. ثلاثتهم (يزيد، وموسى، ووهب) عن جرير بن حازم.
كلاهما (عوف، وجرير) قالا: حدثنا أبو رجاء، فذكره.

<<  <  ج: ص:  >  >>