للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، يعني: ولا تقربوها جُنُباً إِلا عابري سبيل.

وليس المعنى لا تُصَلُّوا إِلا عابري سبيل، لأن عابر السَّبيل لا يُصلِّي، فيكون النَّهْيُ عن قُربان الصَّلاة، أي: النَّهْيُ عن المرور بأماكنها، وهي المساجد، فإِن عَبَر المسجد فلا بأس به، وأمَّا أن يَمْكُثَ فيه فلا.

٢ ـ أن المساجد بيوت الله ﷿ ومحل ذِكْرِه، وعبادته، ومأوَى ملائكته، وإِذا كان آكل البصل والأشياء المكروهة ممنوعاً من البقاء في المسجد، فالجُنُبُ الذي تَحْرُمُ عليه الصَّلاة من باب أوْلَى، ولا سيَّما إِذا كانت الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جُنُب، فإِنَّها تتأذَّى بمَنْعِهَا من دخول هذا المسجد.

وقوله: «لحاجة». والحاجة متنوِّعة، فقد يريد الدُّخول من باب، والخروج من آخر حتى لا يُشاهَد، وقد يفعل ذلك لكونه أخْصَرَ لطريقه، وقد يَعْبُره لينظر هل فيه محتاج فيؤويه أو يتصدَّق عليه، أو هل فيه حَلَقَةُ عِلْمٍ فيغتسل ثم يرجع إليها.

وأفادنا بقوله: «لحاجة» أنه لا يجوز له أن يَعْبُرَ لغير حاجة.

وظاهر الآية الكريمة: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ العموم؛ فَيَعْبُره لحاجة، أو غيرها، وهو المذهب (١) إلا أن الإِمام أحمد كَرِه أن يُتَّخَذ المسجد طريقاً إلا لحاجة، وهذا له وجه لأنَّ النبيَّ ذَكَرَ أنَّ هذه المساجد بُنِيَتْ للذِّكر، والصَّلاة، والقراءة (٢)


(١) انظر: «الإنصاف» (٢/ ١١٢).
(٢) تقدم تخريجه، ص (٢٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>