للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الحبس هو حدّ الزناة؛ لأنَّه كان يحصل به إيلام الجاني وعقوبته؛ بأن يمنع من التصرف والنكاح وغيره طول حياته، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ، كما يحصل من الجلد والتغريب. فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس حدًّا، غير أن ذلك الحكم كان محدودًا إلى غاية وهو أن يبين الله لهن سبيلًا آخر غير الحبس، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - فبلَّغه لأصحابه، فقال لهم: (خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم)، فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته. وهذا نحو قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ} فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام، لانتهاء غايته، لا لنسخه. وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمع عليه. وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولًا، ولأن الجمع بين الحبس، والجلد، والرَّجم ممكن، فلا تعارض، وهو شرط النسخ مع علم [المتأخر من] (١) المتقدم، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول. وإذا تقرر هذا فاعلم: أن الأمَّة مُجمِعة: على أن البكر - ويعني به: الذي لم يحصن - إذا زنى جلد الحدّ. وجمهور العلماء من الخلفاء، والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة، وصاحبه محمد بن الحسن، فإنَّهما قالا: لا تغريب عليه. فإن النصّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزاني، والتغريب زيادةٌ عليه، والزيادة على النصّ نسخ، فيلزم عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد.

والجواب: أنا لا نسلِّم: أن الزيادة على النص نسخٌ، بل زيادة حكم آخر مع


(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

<<  <  ج: ص:  >  >>