للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

رواه أحمد (٣/ ٣٣٨)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤) (٦٣)، والترمذي (٣٣١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨٦٣).

* * *

ــ

عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ لئلا يكون قتلهم منفرا لغيرهم عن الدخول في الإسلام، لأنَّ العرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين (١)، فتهيج الحروب وتكثر الفتن، ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، ورفق بهم، وصبر على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته، فرسخ في قلبه الإيمان، وتبين له الحق اليقين.

وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين. ثم أقام النبي صلى الله عليه وسلم مستصحبا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه، لأنَّه ارتفع مسماه واسمه. ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة عندنا اليوم، ويظهر من مذهبه: أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: {لَئِن لَم يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ} إلى قوله تعالى: {وَقُتِّلُوا تَقتِيلا} وبقوله: {جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ} فقد سوى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك (٢).

وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها، وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم؛ فإن أظهروه قتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإن منهم من أظهر نفاقه، واشتهر عنه حتى عرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يقتلوا لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.


(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (ز).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

<<  <  ج: ص:  >  >>