للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وَقَد يُطْلِقُ مَا يُطْلِقُونَهُ طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاءِ، وَجُمْهُورُ مَن يُطْلِقُ ذَلِكَ مِن الْفُقَهَاءِ يَتَنَاقَضُونَ: تَارَةً يَقُولُونَ بِقَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ. [٨/ ٤٨٥]

* * *

(معنى قَوْله تَعَالَي: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ})

٦٣٨ - قَوْله تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [التكوير: ٢٩] لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بفَاعِل لِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيّ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَادِر عَلَيْهِ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرِيدِ؛ بَل يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ: الْمُجْبِرَةِ الْجَهْمِيَّة، وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِّيَةِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)} [التكوير: ٢٨] فَأَثْبَتَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَفِعْلًا، ثُمَّ قَالَ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)} فَبَيَّنَ أَنَّ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ مُعَلَّقَةٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ.

وَالْأُولَى رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، وَهَذِهِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: قَد يَشَاءُ الْعَبْدُ مَا لَا يَشَاؤُهُ اللهُ (١). [٨/ ٤٨٨]

* * *


(١) فالعبد له مشيئة وإرادة، ولكنها تحت مشيئة الله عزَّ وجلَّ، فلو شاء العبد أمرًا كالسفر، فهو تحت مشيئته وإرادته، فإذا شاءه الرب مكنه منه وهيأ له الأسباب، ونفى عنه الموانع.
وإذا لم يشأ الله له السفر لم يمكنه منه؛ كان لا يهيِّئ له الأسباب، أو يوجد مانعًا يمنعه من السفر ويصرفه عنه.
وهذه المشيئة التي ينتج عنها العمل يُجَازى عليها العبد، إما ثوابًا وإما عقابًا، بحسب نوع العمل.
ومثال ذلك في واقع البشر: لو أن لصًّا أراد أن يسرق بيتًا، فعلمت الشرطة بذلك، فأخذت تراقبه ولم توقفه ولم تقبض عليه؛ بل تركته، فذهب وقفز سور المنزل، ثم عالج الأبواب ففتحها، ثم عالج أبواب الخزنة، وكلُّ هذا تحت نظر وسمع الشرطة وتحت مشيئتها، ولو شاءتْ لمنعته وصرفته عن هذا العمل، ولكنها شاءت أن يسرق حتى تمسك به متلبسًا بالجرم المشهود، ثم توقع عليه أشد العقوبة.
فلما خرج اللِّص من المنزل متلبسًا بفعلته النكراء، ألقت القبض عليه، ثم جازته على سرقته، فهل لهذا اللِّص أن يعترض ويقول: لقد علمتم أني سأسرق، ومكنتموني من ذلك، فأنتم =

<<  <  ج: ص:  >  >>