للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

لِعِلْمِهِمْ بِمَوَادِّ كَلَامِهِ وَمُشَابَهَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا، وَلَكِنْ كَانَ هُوَ وَأَمْثَالُهُ -كَمَا قَدَّمْت- مُضْطَرِبِينَ لَا يَثْبُتُونَ عَلَى قَوْلٍ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُم مِن الذَّكَاءِ وَالطَّلَبِ مَا يَتَشَوَّفُونَ بِهِ إلَى طَرِيقَةِ خَاصَّةِ الْخَلْقِ، وَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُم سُلُوكُ طَرِيقِ خَاصَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ وَرِثُوا عَن الزَسُولِ -صلى الله عليه وسلم- الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ.

وَهُوَ يَمِيلُ إلَى الْفَلْسَفَةِ، لَكِنَهُ أَظْهَرَهَا فِي قَالَبِ التَّصَوُّفِ وَالْعِبَارَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

وَلهَذَا فَقَد رَدَّ عَلَيْهِ عُلَمَاء الْمسْلِمِينَ، حَتَى أَخَصُّ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ بنُ الْعَرَبِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: "شَيْخُنَا أَبُو حَامِدِ دَخَلَ فِي بَطْنِ الْفَلَاسِفَةِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُم فَمَا قَدَرَ" (١). [٤/ ٦٢ - ٦٦]

* * *

[ندم بعض العلماء على الدخول في علم الكلام]

٣٦١ - تَجِدُ عَامَّةَ هَؤُلَاءِ الْخَارِجِينَ عَن مِنْهَاجِ السَّلَفِ مِن الْمُتَكلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ إمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَإِمَّا قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْحِكَايَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَة مَعْرُوفَةٌ:

- هَذَا أَبُو الْحَسَنِ الْأشْعَرِيُّ: نَشَأَ فِي الِاعْتِزَالِ أَرْبَعِينَ عَامًا يُنَاظِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ عَن ذَلِكَ وَصَوَّحَ بِتَضْلِيلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.

- وَهَذَا أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ مَعَ فَرْطِ ذَكَائِهِ وَتَأَلُّهِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، وَسُلُوكِهِ طَرِيقَ الزُّهْدِ وَالرِّيَاضَةِ وَالتَّصَوُّفِ، يَنْتَهِي فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ


(١) وقد ذكر الشيخ أن أبا الْمَعَالي وَأبا حَامِدٍ الْغَزَالِيّ وَابْن الْخَطِيبِ وَأَمْثَالهمْ قَلِيلو الْمَعْرِفَةِ بِآثَارِ السَّلَفِ، وقال: لَمْ يَكُن لَهُم مِن الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ مَا يُعَدُّونَ بِهِ مِن عَوَامِّ أهْلِ الصِّنَاعَةِ فَضْلًا عَن خَوَاصِّهَا، وَلَمْ يَكُن الْوَاحِدُ مِن هَؤُلَاءِ يَعْرِفُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمًا وَأَحَادِيثَهُمَا إلا بِالسَّمَاعِ، كَمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ الْعَامَّةُ، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ أهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمُفْتَرَى الْمَكْذُوبِ. وَكُتُبُهُم أصْدَقُ شَاهِدٍ بِذلِكَ، فَفِيهَا عَجَائِبُ. اهـ. (٤/ ٧١ - ٧٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>