للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)} [الليل: ٨] فَهَذِهِ خَمْسُ مَوَاضِعَ، وَذَلِكَ نَاشِئٌ عَن حُبِّ الشَّرَفِ وَالْمَالِ، فَإنَّ مَحَبَّةَ الشَّرَفِ تُحْمَلُ عَلَى انْتِقَاصِ غَيْرِهِ بِالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ (١)، وَمَحَبَّةُ الْمَالِ تحْمَلُ عَلَى الْبُخْلِ (٢).

وَضِدُّ ذَلِكَ: مَن أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ، وَاتَّقَى فَلَمْ يَهْمِزْ وَلَمْ يَلْمِزْ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُعْطِيَ نَفَعَ النَاسَ، وَالْمُتَّقِيَ لَمْ يَضُرَّهُمْ، فَنَفَعَ وَلَمْ يَضُرَّ، وَأَمَّا الْمُخْتَالُ الْفَخُورُ الْبَخِيلُ فَإنَّهُ بِبُخْلِهِ مَنَعَهُم الْخَيْرَ، وَبِفَخْرِهِ سَامَهُم الضُّرَّ، فَضَرَّهُم وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ. [١٦/ ٥٢١ - ٥٢٢]

* * *

[سورة الكوثر]

١٦١٠ - سُورَةُ الْكَوْثَرِ: مَا أَجَلَّهَا مِن سُورَةٍ وَأَغْزَرُ فَوَائِدِهَا عَلَى اخْتِصَارِهَا، وَحَقِيقَةُ مَعْنَاهَا تُعْلَمُ مِن آخِرِهَا، فَإنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَتَرَ شَانِئَ رَسُولِهِ مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَيَبْتُرُ ذِكْرَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَيَخْسَرُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَيبْتُرُ حَيَاتَهُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَلَا يَتَزَوَّدُ فِيهَا صَالِحًا لِمَعَادِهِ، ويبْتُرُ قَلْبَهُ فَلَا يَعِي الْخَيْرَ وَلَا يُؤَهِّلُهُ لِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالْإِيمَانِ بِرُسلِهِ، ويبْتُرُ أعْمَالَهُ فَلَا يَسْتَعْمِلُهُا (٣) فِي طَاعَةٍ، وَيبْتُرُهُ مِنَ الْأنْصَارِ فَلَا يَجِدُ لَهُ نَاصِرًا وَلَا عَوْنًا، وَيبْتُرُهُ مِن جَمِيعِ الْقُرَبِ وَالْأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَلَا يَذُوقُ لَهَا طَعْمًا وَلَا يَجِدُ لَهَا حَلَاوَةً، وَإِن بَاشَرَهَا بِظَاهِرِهِ فَقَلْبُهُ شَارِدٌ عَنْهَا.

وَهَذَا جَزَاءُ مَن شَنَأَ بَعْضَ مَا جَاءَ بهِ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- وَرَدَّهُ لِأَجْلِ هَوَاهُ أَو مَتْبُوعِهِ أَو شَيْخِهِ أو أمِيرِهِ أَو كَبِيرِهِ؛ كَمَن شَنَأ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَتَأوَّلَهَا عَلَى غَيْرِ مُرَادِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِنْهَا، أَو حَمَلَهَا عَلَى مَا يُوَافِقُ مَذْهَبَهُ وَمَذْهَبَ طَائِفَتِهِ.


(١) وعلاج هذا المرض بإدراك خطر هذه الأفعال وأن الله يمقتها.
(٢) وعلاج هذا المرض بإدراك أن المال وديعة من الله عند الإنسان ليختبره.
(٣) في الأصل: (يَسْتَعْمِلُهُ)، ولعل المثبت هو الصواب.

<<  <  ج: ص:  >  >>