للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

خلافهم أشد طلبًا وأكثر استحبابًا, ولا يمكن معرفة هذا إلا بمعرفة أقوالهم ونقل مذاهبهم ولعل عملنا هذا أن يسهم في ذلك. وبالله التوفيق (١).

[مكانة "مذهب الجمهور" عند العلماء وموقفهم منه]

لا يمكن للمشتغل في الفقه الإِسلامي اشتغال الباحثين الغواصين في بحاره وبين درره ولآلئه أن يجهل أو يتجاهل مكانة قول الجمهور ومذهبهم عند أئمة الفقه وأهل العلم، ولعل هذه المكانه تبدو جليَّة للمطَّلع على كلام أهل هذا الفن ومصنفاتهم بأمور عدةٍ، منها ما ذكرناه في الصفحات الماضية ويضاف إليه أمور:

أولًا: إفراغ الوسع في عدم مخالفتهم أو الانفراد عنهم لا من قبيل المجاملة أو المداهنة، فليس في علوم الشريعة شيء من هذا أو ذاك وإنما اعتدادًا واعتبارًا بمدرك قولهم، وأدلة مذهبهم واجتماع كثرتهم على القول أو الرأي الواحد، فاجتماع عددهم مع توفر صفات العلم والتقوى والنزاهة مظنَّة الصواب والرأي السديد، وإنفراد غيرهم عنهم مظنة الخطأ والشطط والجنوح البعيد.

وكذلك كان فعل الأئمة إذا تعارضت عندهم الأدلة في المسألة ولم يتبين لهم فيها قول، فقول الجمهور لا مندوحه عنه أو التوقف في المسألة بِرُمتها.

فإذا عرفت هذا فلا غرابة أن يقول الإِمام الكبير أبو الزناد: وربَّما اختلفوا في الشيء فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيًا (٢) .. اهـ.

وهذا مالك بن أنس إمام دار الهجرة -رحمه الله- يقول:

إن حقّا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعًا لأكثر مَنْ مضى قبله (٣).

وهذا الشافعي يحاج خصمه في مسألةِ بيع المدبر، فيحتج عليه خصمه بأن المنع من بيع المدبر هو قول أكثر الفقهاء، فيرد عليه الشافعي -رحمه الله- بقوله:

بل قول أكثر الفقهاء أن يباع، فيحتج الخصم أن أهل المدينة لا يقولونه، فيرد عليه


(١) انظر كلام الإِمام السيوطي على قاعدة "الخروج من الخلاف مستحب" في كتابه (الأشباه والنظائر) وشروط العمل بهذه القاعدة، وكتابه هذا نفيس في بابه وهو فن أو علم قواعد الفقه ص ١٣٦.
(٢) انظر فتح الباري في ج ٢٦ ص ٣٦.
(٣) رواه ابن وهب عنه. انظر مقدمة المدونة للإمام مالك.

<<  <  ج: ص:  >  >>