للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وثبت في "الصحيح" " أن كل مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، وأنما أبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمجِّسانه " (١)، فكيف يقال فيما خلق على الفطرة: إنه قد يُبنى بِنيةً لا تقبل اللطف ألبتة؟ ولك (٢) أن تقول في تحرير الدليل العقلي أيضاً: فالأجسام عندهم متماثلة في ذواتها، وإنما اختلفت بما أكسبها الله تعالى من الأمور الزائدة على الذوات من أعراضٍ وصفات وأحكام وأحوال، وتغيير كل شيء منها مقدور لله تعالى، ولا فرق عندهم بين المَلَكِ والبشر، والمؤمن والكافر إلاَّ فيها، فثبت أن تغييرها عندهم مقدورٌ لله تعالى.

إذا تقرر هذا، فقد قال ابن الملاحمي بعد ذكر موافقة المعتزلة لأهل السنة على هذا ما معناه: فإن قيل: فما الوجه عندكم في خلق العصاة على البنية التي لا تقبل اللطف مع قدرة الرب تعالى على خلقهم على البنية التي تقبلُ اللطف، بل تقبل العصمة؟

قال ما معناه: إنا نعلم أن لله تعالى في ذلك حكمة على سبيل الإجمال، وإن لم نعلم تعيينها، فرجعت المعتزلة بعد القطع بقبح ظواهر القرآن والسنن وآثار السلف، وركوب كلِّ صعبٍ وذلول في تأويل ذلك إلى مثل ما بدأ به أهل السنة.

وليت شعري ما الفرق بين تجويز المعتزلي في هذا لحكمة لا يعلمها، وبين تجويز إراده الله تعالى لأسباب وقوع معاصي العصاة وترك هدايتهم مع القدرة عليها لوجه حكمةٍ لا نعلمه، لا لأجل الوجه القبيح التي قبحت وكرهت لأجله، وإن خالف بعض المعتزلة في ذلك رضينا منه أن ينزل أهل السنة منزلة من جوَّز ذلك من المعتزلة (٣)، وهو أبو الحسين وأصحابه.


(١) تقدم تخريجه في ٣/ ٣٨٧.
(٢) في (ش): وذلك.
(٣) من قوله: " في ذلك " إلى هنا ساقط من (ش).

<<  <  ج: ص:  >  >>