للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سمعت، ولا خطر على قلب بشر. رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عنه - صلى الله عليه وسلم - في تفسير هذه الآية (١). فإذا ثبت أن في الجنة ما لم يخطر على قلبِ بشرٍ، ثبت أن في رحمة الله مثل ذلك، وأكثر منه، لأن الجنة بعضُ رحمةِ الله وفضلِه.

فصل

ولما اقتضى كمالُ مُلْكِ الله، وتمامُ عزَّته، وجلالُ كبريائه أن يكون مخُوفاً، مَهيباً، مرهوباً بالنظر إلى إصلاحِ عباده، وتأديبهم، والعدل بينهم، ونحو ذلك مما لا يحيطُ بجميعه سواه، كما أنه مرجو، ومأمول مستعانٌ (٢) مستغاثٌ بالنظر إلى أكثر أسمائه الحسنى، وغالبِ نُعوته الحميدة، لزم كل عبدٍ لله أن يكون خائفاً مع رجائه، جامعاً بين الرَّغَبِ والرَّهَبِ في لَجائه، لأنه لا حُكْمَ للعبد على سيده، فمن ها هنا ورد الوعيد من المجيد الحميد لِمَا فيه من صلاح العبيد (٣)، فكانا كالجَناحين للعمل، بل كالأب والأُمِّ للمولود. وفي " عوارف المعارف " (٤) أن الخوف بمنزلة الأب: فيه الذُّكورَةُ، والرجاء بمنزلة الأُمِّ فيه الأُنوثة.

ويدلُّ على ما أشرتُ إليه من اعتبار الجهتين في الخوف والرجاء قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه} [الزمر: ٩]، فجعل رحمته متعلَّقَ الرجاء، وخوفَ جزاء عمله متعلَّق الخوف. وقد نبَّه على ذلك في آيتين مختلفتين: إحداهما: قوله تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين} [الأعراف: ٥٦]، فعقَّب ذكر الطَّمع بذكر الرحمة التي هي من أشهر أسمائه ونعوته. وقال: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: ٩٠]، فعقَّب الرَّهَبَ بذكر خُشُوعِ العبد الصالح لربه، فدل على أنه


(١) أخرجه البخاري (٣٢٤٤) و (٤٧٧٩) و (٤٧٨٠) و (٧٤٩٨)، ومسلم (٢٨٢٤)، وأحمد ٢/ ٣١٣ و٣٧٠، والترمذي (٣١٩٧) و (٣٢٩٢)، وابن ماجه (٤٣٢٨).
(٢) " مستعان " ساقطة من (ش).
(٣) من قوله: " لزم كل عبد " إلى هنا ساقط من (ش).
(٤) ص ٢٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>