للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويوضحه أنه لا سبيلَ إلى القطع بتكذيب الراوي لتخصيصِ العموم، وتقييد المطلق بالإجماع، وإذا حَرُمَ تكذيبه، وكان ثقة، أثمر الظن بالضرورة، فيجبُ العمل في العمليات، ويمتنع القطع على ما يُخالفه في الاعتقاديات.

فمن ذلك تفسيرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - للظُّلم بالشرك في قوله تعالى: {ولم يَلْبِسُوا إيمانهم بظُلْمٍ} [الأنعام: ٨٢]، رواه البخاري، ومسلم عن ابن مسعود (١) وهو من أثبتِ الآثار وأبينها، وذلك أنها لما نَزَلَتْ، اشتدَّت عليهم، فسألوا عنها، وكذلك رَوَى في تفسيرها الحاكم -على تشيُّعِه- عن أبي بكرٍ في " المستدرك " (٢) أن الظلمَ في هذه الآية هو الشرك، وخَرَّجَ في " المستدرك " (٣) من حديث أبي ذرٍّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله يغفرُ لعبدِه ما لم يَقَعِ الحجابُ، قالوا: وما الحجاب؟ قال: " موتُ النفس مشركةً ". وختم النووي مباني الإسلام بحديث أنس قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بَلَغَتْ ذنوبُك عنانَ السماء، ثم استغفرتَني غَفَرْتُ لك، يا ابنَ آدمُ، لو أتيتني بقِراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشركُ بي شيئاً، لأتيتُك بقرابِها مغفرةً " رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (٤)، وسيأتي تواترُ هذا المعنى.

ثم عَضَدْنا ذلك بالنظر العقلي على رأي من يراه، وإن لم يعتقد أنه حجةٌ قاطعة، فوجدنا الإسلام يهدِمُ الشرك، وما كان فيه بالإجماع والنصوص، فلم يُستنكرْ في العقل أن يكون لمن أخلصه، واستقام عليه حتى مات مُوقناً مَزِيَّةٌ تفرق بينه وبين المشركين (٥)، كما جُعِلَ لهم في أحكام الدنيا مَزِيَّةٌ تدل على بقاء تعلق الرحمة والرفق بهم، كجواز مناكحتهم، وتحريم دمائهم وأموالهم، وأعظمُ


(١) البخاري (٣٢) و (٣٣٦٠) و (٣٤٢٨) و (٤٦٢٩) و (٤٧٧٦) و (٦٩١٨) و (٦٩٣٧)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧)، وأحمد ١/ ٣٧٨ و٤٢٤ و٤٤٤.
(٢) ٢/ ٤٤٠ وفي إسناده أحمد بن عبد الجبار، وهو ضعيف.
(٣) ٤/ ٢٥٧ بإسناد ضعيف.
(٤) سيأتي تخريجه ص ٢٧٢.
(٥) في (ف): " المشرك ".

<<  <  ج: ص:  >  >>