للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قالوا: وأمَّا توقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ منَ الصَّحابة في بعض الأحاديث، فلقرائنَ أوجبت الرِّيبةَ بالتَّفَرُّد، وذلك هُوَ المُسَمَّى بالإعلال في علوم الحديث، كحديث عمَّار في التيمُّم، فإنَّه ذكر فيه أنَّ عمر كان معه في الواقعة، فلم يذكر ذلكَ عُمرُ معه، مع أنَّها واقعة لا يكاد يُنسى مثلُها، فتعارضَ عليه نسيانُه وغفلَتُه عمَّا لا يكادُ ينسى، وصِدقُ عَمَّارٍ وأمانتُه، فوقف في حقِّ نفسه، وأذن لعمَّار في روايةِ ذلك لِغيره ليعلموا به.

وقد روى النَّسائي (١) حديثاً في التَّخيير بين رأي عمرو ورأي الجماعة في ذلك، يعني في التيمُّم للجُنُبِ عِنْدَ عدمِ الماء، أو تعذُّرِ استعماله.

الوجه الثالث: أنَّ المحدثين حين رَأَوُا اختلاف الناس في مَنْ يُقْبَلُ ولا يُقبل مع اختلافهم فيما يُجْرَحُ به، وما لا يُجْرَحُ به، أوجبوا بيانَ الإِسناد والتَّصريحَ بأسماءِ الرُّواة، وترك التَّدليس والإِرسال في كُلِّ ما ادَّعَوْا صِحَّتهُ، ليتمكَّنَ كُلُّ أحدٍ مِن الأمَّة مِنَ النَّظر في الحديث، وفي صِحَّته، حتَّى يكونَ على بصيرةٍ في الموافقة على التَّصحيح أو المخالفة، أو الموافقة على التَّضعيف أو المخالفة فيه، فزال المحذورُ مِنْ روايتهم عمَّن حارب أميرَ المؤمنين عليه السَّلام، لأنّهم قد بيَّنوا ما روَوْهُ عنهم، وصرَّحوا بأسمائهم، ولم يقولوا: صحَّ لنا حديث كذا عمَّن نَثِقُ به، بل نصُّوا على


(١) في " سننه " ١/ ١٧٠ - ١٧١ من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنت جالساً مع عبد الله، وأبي موسى، فقال أبو موسى: أولم تسمع قول عمار لعمر بعثني ... وفيه: فقال عبد الله: أولم تر عمرَ لم يقنع بقول عمار.
قال السندي تعليقاً على قوله: " أولم تر عمر .. ": قيل: لأنَّه أخبر عن شيء حضره معه ولم يذكره، فجوز عليه الوهم كما جوز عليه النسيان. قلت: فتبع ابن مسعود عمر في ذلك، فلعلَّ مَنْ ترك الأخذَ بظاهر حديث عمار تَبعَ ابن مسعود، وبناؤهم على تجويز الوهم عليه لا على التكذيب، والله تعالى أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>