للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العبد علم نصف معلومات الله، لجُوز أن يكون حكمة الله في هذه الأشياء في النصف الأخير، كيف والله يقول: {وَمَا أُوتيتُم مِنَ العلم إلاَّ قليلاً} [الإسراء: ٨٥]، والملائكة تقول: {لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا} [البقرة: ٣٢].

وقد صح أن علم موسى والخضر عليهما السلام، وعلم جميع الخلائق في علم الله كما أخذه طائرٌ بمنقاره (١).

وما أحسن أدبَ البُوني حيث يقول: إن نسبة عِلمنا إلى علم الله كنسبة لا شيءَ إلى ما لا نهاية له.

ومنها: الشَّرَهُ في العلم، ومع أهل كُلِّ فنٍّ منه طَرَفٌ، ومعظمه وأضرُّه مع عُلماء الكلام، وذلك أن مِنْ طبع البشر حب العلم، وحب الممنوع، ولذلك يختلفون في دقائق صفات الرب سبحانه وغير ذلك اختلاف من لا يعلم، ويحتجُّ كل منهم بما لا يفيد العلم، ويقدح كلٌُّ منهم بما يُبطِلُ قول خصمه، ويُطَوِّلون في ذلك حيث لا حاجة إليه كتطويلهم في الروح ونحوه.

وقد نقل الرازي عن الفلاسفة الاعتراف بأن كلامهم في الإلهيات مُجرَّد ظنٍّ، لأنهم لم يروا الربَّ جلّ جلاله ولم يروا شبيهاً له، فيحكموا عليه بالقياس.

وإذا نظرت في كلِّ الفنون وجدت في كل منها علوماً جَلِيَّاتٍ (٢) صحاحاً، ودعاوى خفيَّات ضِعافاً.

وأمارةُ ما ذكرته أن الجليات مواضعُ الإجماع، والخفيات مواضع الخلاف، وهذا موجودٌ حتى في كتب الحديث إذا لم يجدوا في الباب حديثاً في أرفع مراتب الصحة المُتَّفق عليها رووا فيه الموجود، وإنْ نَزَلَ عن شرطهم.


(١) أخرجه أحمد ٥/ ١١٩ - ١٢١، والبخاري (٣٤٠١) و (٤٧٢٦) و (٤٧٢٧) من حديث أُبي بن كعب الطويل في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام.
(٢) من قوله: " ولم يروا " إلى هنا ساقط من (ش).

<<  <  ج: ص:  >  >>