للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من المكاره، لأن وصف العزة يستحيلُ أن تتخلفَ عنه آثاره، وفيه أن مقام الحب غير مبتذلٍ ولا رخيص، وقد تقدم ما وقع لأهله، مثل عزم الخليل على ذبح ولده، وبراءة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى كل خليل من خُلَّتِه. وفي البخاري من حديث أبي هريرة: " ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُهُ، كنت سمعه الذي يسمع به، ويصره الذي يبصر به " الحديث (١).

وقد آنس الله وحشة القاصرين حيثُ قَرَنَ العزيز بالغفور، والغفار بالرحيم، والوهاب في آيات كثيرة، وهذه نكتة نفيسة جداً.

وثانيهما: أن المقصود الأول من تمييز الخبيث من الطيب في تمحيص المؤمنين هو الخيرُ الحاصل للطيب لا الشر الحاصل للخبيث لقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُم أيُّكُمْ أحسَنُ عَمَلاً} [الملك: ٢] ولم يقل: أيكم أقبح (٢) عملاً.

ومن أحسن ما يحتج به على هذا بعد ما ذكرناه من كتاب الله تعالى قولُه في سورة النحل: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا} [النحل: ٣٠] إلى آخر الآيات في الوعد والوعيد والمشيئة.

وأصرح من ذلك كلِّه قصة الخَضِر وموسى لتأويل الشرِّ فيها بأنه المقصود به الخير نصاً صريحاً، وبيان أن ذلك هو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله.

ومن أحسن ما يُستدلُّ (٣) به على ذلك قوله تعالى: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: ٣٢ - ٣٣].


(١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢)، وأبو نعيم ١/ ٤، والبيهقي في " الزهد الكبير " (٦٩٠)، والبغوي (١٢٤٨).
(٢) في (أ): " أحسن "، وكتب فوقها: " أخبث ".
(٣) في (ش): احتج.

<<  <  ج: ص:  >  >>