للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم تمسُّك الجبرية بالحديث، فأجاب (١) عليهم بوجوهٍ ثلاثةٍ، قال في آخر الوجه الثالث: ولو كان القدر حجة، لاحتج به كل أحدٍ على الأمر الذي ارتكبه في الأمور الكبار والصغار، وهذا يُفضي إلى لوازم قطعية، فلهذا قال من قال من العلماء: بأن جواب آدم إنما كان احتجاجاً بالقدر على المصيبة، لا على المعصية، والله أعلم. انتهى.

وفيه بيان ردهم على الجبرية وبراءتهم من ذلك.

فإن قلت: هذا مسلَّمٌ في حق من تصِح بينهم المنازعة، وأن يلوم (٢) بعضهم بعضاً، لكن من أين (٣) أن ذلك يجوز على الأنبياء عليهم السلام؟.

قلت: الجواب عن (٤) هذا واضحٌ، فقد ورد القرآن بذلك، بل بأكثر منه، فقد أخبر الله تعالى عن موسى أنه أخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، وذلك قبل أن يعلم بصدور ذنبٍ من أخيه عليه السلام، وقد حكى الله تعالى عن موسى والخَضِر عليهما السلام ما يرفع الإشكال، وكذلك حكى الله عن داود وسليمان عليهما السلام الاختلاف، حيث قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: ٧٩]، بل حكى الله تعالى عن الملائكة الخصومة، وهي احتلافٌ وزيادةٌ، فقال: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (٥) [ص: ٦٩]، وجاء ذكر خصومتهم في الذي قتل مئة نفسٍ، ثم تاب، وهاجر من أرضٍ إلى أرضٍ، فأدركته الوفاة في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، حتَّى أرسل الله ملَكاً يحكم بينهم متفقٌ على صحته (٦)، وكذلك حديث اختصامهم في الكفارات والدرجات. رواه الترمذي من حديث ابن عباسٍ (٧).


(١) في (ف): " وأجاب ".
(٢) في (ش): " يلزم ".
(٣) " أين " ساقطة من (ف).
(٤) " عن " ساقطة من (ش).
(٥) انظر ١/ ٢١٨.
(٦) تقدم تخريجه ١/ ٢١٩.
(٧) أخرجه الترمذي (٣٢٣٢)، وأحمد ١/ ٣٦٨، وانظر ١/ ٢١٨ - ٢١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>