للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كانت الموهبة المبكرة لمحمد كرد علي هي التي فرضت نفسها على الجميع، وبخاصة على الأهل، وكان لابد من السعي لإرساله إلى إحدى المدارس الحكومية، حيث تلقى تعليمه الابتدائي ومبادئ اللغة الفرنسية على يد معلم خاص، ثم دخل المدرسة العازارية وتتلمذ على يدي الشيخ طاهر الجزائري، وكان يدعى كبير معلمي العصر وعنه أخذ العلم وحب العربية وعلومها وآدابها (١).

[بين الأدب والصحافة]

تعلق محمد كرد علي بالصحافة، وأحبها حتى العشق، فجمع بين الأدب والصحافة، وكان في كليهما مجلياً، ففي مجال الأدب كان يقرأ ما يستطيع الحصول عليه، وهو في الثالثة عشرة.

يسهر حتى الهزيع الثاني من الليل، وهو يقرأ في جريدة أو كتاب، حتى ضعف بصره، وساءت صحته، ونصح له الأهل والصحب بالاعتدال. ولكنه رفض هذا النصح، ولم يكن ليترك القراءة، إلا حين يطفئ أهله مصباح الزيت، الذي كان الناس يستضيئون به يوم ذاك.

كان منظر الكتب يغريه ويفتنه، ورؤية الصحف تسكره، وتسحره، فيندفع يغبّ من ألوان المعرفة، ويعبّ من بحور العلم.

كان إذا رأى عالماً أو أستاذاً، تمنى أن يصادقه، وحلم في أعماقه، أن يكون في المستقبل مثله.

وشجعه أبوه ـ رغم أميته ـ على اقتناء الكتب، وقدم له المساعدة الكافية على الفوز بها، فكانت الكتب ثروته الحقيقية.

وحين اشتد ساعده بالعلم واللغة، أخذ يقرأ الصحف والمجلات بالفرنسية والتركية والعربية، فزادته المطالعة تعلقاً بالصحافة، وعشقاً للمعرفة والعلم.

وعندما كان يحبو نحو السادسة عشرة، كان يكتب الأخبار والمقالات، ويدفع بها إلى الصحف.

ولم تقف هواياته عند هذا الحد، بل أحب الشعر العربي، والسجع المنمق، وعكف على شيوخه ـ كما يقول الدكتور سامي الدهان ـ "وأخذ ينهل من علمهم وأدبهم، وهم من مشهوري عصره في بلده، أمثال: سليم البخاري، والشيخ محمد المبارك، والشيخ طاهر الجزائري".


(١) ـ عبد الغني العطري ـ حديث العبقريات - دار البشائر.