للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[انحطاط المشرق بانحطاط الأخلاق]

بسطنا الكلام في فصل سابق عن انحطاط المشرق وأبنا ثمة أن سببه انحطاط الأخلاق وعراقة الشرقيين في الحضارة وبلوغهم منها غاية قضت بتمكن الضعف منهم منذ زمان مديد ووعدنا بالعود إلى هذا البحث وإتمام الكلام عليه ووفاءً بالوعد نقول:

أشرنا في ذلك الفصل إلى أن الأخلاق السافلة التي تقضي بانحطاط الأمم وضعفها كثيرة وأن ما نراه منها مظنة انحطاط المشرق وأهله لا ينحصر بالملاذ البدنية بل هو أعم من ذلك وأن عامة الأخلاق الفاضلة في المشرق قد تطرق إليها الضعف فأضعف قوى الشرقيين ونفوسهم عن النهوض مع الناهضين والتسابق مع السابقين من أمم المغرب والخطر من هذا على المشرق عظيم يتهدد أهله بناموس الانتخاب الطبيعي القاضي ببقاء الأنسب. وحسبك دليلاً على ذلك هذا السكون المطلق الذي يخيم بسحبه المظلمة على آفاق المشرق بينا المغرب في حركة مستمرة يخترق صداها حجب الفضاء وتهتز لها جوانب الغبراء. فلو هبط الآن على الأرض هابط من عالم النجوم لخيل له أن المشرق وأهله عالم آخر لا اتصال له بالمغرب لما بينهما من التباين الذي يكاد يكون مستحيلاً في نظر العقل في عصر وصلت فيه الكهربائية والبخار بين جوانب الأرض وأصبح فيه العلم مشاعاً بين الأمم لا يقصر عنه نظر المتطاول. ولا يد المتناول. وما هذا التباين إلا أثر من آثار الأخلاق في رقيها وتدليها والإنسان إنما دعي إنساناً مميزاً بنفسه لا بجثمانه فالنفس هي التي تعلو بهذا الإنسان الضعيف حتى تبلغ به عنان السماء وتهبط به إلى الحضيض حتى يلتصق خده بأديم الأرض.

فكل ما في المشرق من وهن في العزائم. وفتور في الهمم. وإخلاد إلى السكون. وعجز عن النهوض. وتخاذل يفرق المجتمعات. ويأكل القوميات. ونفور من العمل. واسترسال في الجهل والخمول. ورضا بالضيم واستسلام للفاتحين والمستعبدين من الغربيين.

إنما هو نتيجة ضعف في النفوس تأصل فيها بضعف الأخلاق ويوشك أن يرجع بهذه النفوس البشرية إلى الجبلة البهيمية لو لم يقابله حكم هو أقرب لسنن الوجود وأشد أنحاءً على الشرقيين ألا وهو: فناء الضعيف في وجود القوي. سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.

إذن فداء المشرق كما تبين لك عضال ومرضه خطر قتال. وهو فساد الأخلاق وضعف