للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الكتابة والكتب ودورها]

أفرأيتم المصريين الأقدمين وقد تركوا لنا كتبهم منقوشة على صفحات الجبال وفي بطون المغارات وعلى أحجار البرابي والأهرام والمسلات؟

أم هل أتاكم حديث الآشوريين؟ فقد اكتشف النقابون في هذه الأيام مصافحهم مرقومة على اللبن، وهو الطوب المشوي أو المطبوخ. وذلك لأن أرض ما بين النهرين مكونة من طمي جبلة والفرات وليس فيها جبل ولا حجر. ولكن ذلك لم يقف عثرة في سبيل الغرام بالكتب. فصاروا يرقمون بالمسمار على الطين وهو نيئ ثم يطبخونه في النار، استباقاً لكتابتهم على مر الأدهار والأعصار.

ثم انتشر هذا الغرام في مصر وعم ومط، فاحتاج القوم لزيادة الكتابة، وأسوا بما في النقش على الأحجار من صعوبة، فعادوا إلى الطبيعة، وهي الهادي الأكبر إلى البشر، أخذوا البردي وعالجوه بما جعله صالحاً للكتابة، وها هي آثاره في دار العاديات المصرية بقصر النيل في القاهرة، وأكثرها في متاحف أوربا، وأما الصين والهند، فقد كفتهم دودة القز هذه المئونة، في القيام بما يدعون إليه الولوع بالكتب والكتابة، وإذا نظرت إلى بني الأصفر وأعني بهم اليونان والرومان تجدهم قد استعانوا بالحيوان، فعالجوا الجلود وصنعوا منه ما نسميه بالرقوق.

وأول من استنبط ذلك الأغارقة من أهل فرغانة، وهي مدينة بآسيا الصغرى تسمى عندهم برجامة فصار اسمها على اسم هذا المصنوع من الرقوق، ولا يزال باقياً عند جميع الإفرنج إلى الآن، فإن أهل إيطاليا يسمون الرق (بفتح الراء) بزجامينو أي الفرغاني لأن العرب تقلب الباء الفارسية إلى فاء لقرب المخرج كما قالوا في أفلاطون وهكذا. وأما الاسم العربي فهو مأخوذ من ترقيق الجلد بعد دبغه.

أما العرب فبلادهم جرداء قحلاء فلم ينقشوا على الأحجار، ولم يطبخوا الطين على النار، ولم يهتدوا إلى صناعة الترقيق. ولكن ذلك لم يكن حائلاً دون غرامهم بالكتابة والكتب. فكانوا قبل الإسلام في عصر النبوة يكتبون على عسيب النخل أي قحوف الجريدة لكثرة هذه الشجرة المباركة في بلادهم. ويكتبون على ألواح العظام (وكثرتها ناشئة عن ذبح الأضاحي) ويكتبون على نوع من الأشجار المصقولة التي يلتقطونها من فيافيهم وبواديهم.

ونقف بالكلام على العرب دون سواهم من الأمم الأخرى. فإنهم ما لبثوا في خلافة الصديق