للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السؤال سؤال موسى عليه السلام: وجهان: أحدهما أنه أضاف السؤال إلى نفسه. والثاني: أنه تاب، والتوبة لا تصحُّ إلاَّ من فعل النفس.

وقد أجاب شيخنا أبو الهذيل عن هذا بأن الرؤية ها هنا بمعنى العلم، ولا اعتماد عليه، لأن الرؤية إنما تكون بمعنى العلم متى تجرَّدت، فأمَّا إذا قارنها النظر، فلا تكون بمعنى العلم. فالأولى ما ذكره غيره من مشايخنا، وهو أن السؤال لم يكن سؤال موسى عليه السلام، وإنما كان سؤالاً عن قومه، والذي يدلُّ عليه قوله تعالى لمحمَّد - صلى الله عليه وسلم -: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: ١٥٣]، وقوله عز وجل: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: ٥٥]، فصرَّح الله تعالى بأن القوم الذين حملوه على هذا السؤال.

ويدل عليه أيضاً قوله تعالى حاكياً عن موسى عليه الكلام: {أتُهلِكُنَا بما فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: ١٥٥]، فبين أن السوال سؤالٌ عن قومه، وأن الذنب ذنبهم.

فإن قيل: لولا أن الرؤية غير مستحيلةٍ على الله تعالى، وإلاَّ لما جاز أن يسأله (١) لا عن نفسه ولا عن قومه، كما لا يجوز أن يسأل الله الصاحبة والولد لما كان مستحيلاً عليه.

قلنا: فرق بينهما، لأن مسألة الرؤية يمكن معرفتها بالسمع، فجاز أن يطلب فيها دلالة سمعية بخلاف مسألة الصاحبة والولد. وقد قيل: إنه علم أن الرؤية مستحيلة على الله جل وعز، ولكنه سأله عن ذلك، لأن الأمة لم يكن نَفَعَهُم (٢) جوابه، فسأل الله سبحانه لِيَردَ من جهته جوابٌ (٣) يُقْنِعُهُم. فأمَّا ما ذكروه


(١) في " شرح الأصول ": يسأله ذلك.
(٢) في (ب) و (د) و" شرح الأصول ": يقنعهم.
(٣) في " شرح الأصول ": جواباً.

<<  <  ج: ص:  >  >>