للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

دون بقية إخوانه، فأرادت أمه عمرة بنت رواحة أن توثق وتؤكد هذه الهبة وتثبتها بالبينة والشهود، حتى لا يستطيع أحد إبطالها، فقالت لزوجها كما في رواية أخرى للبخاري: " لا أرضى حتى يشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وغرضها من ذلك تثبيت العطية، عند ذلك " أتى به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني نحلت ابني هذا " أي أعطيت ابني هذا وهو النعمان " غلاماً " أي عبداً من عبيدي، وفي الرواية الأخرى قال: " إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله " فقال: " أكل ولدك نحلت مثله؟ " وفي رواية مسلم: " كلهم وهبت لهم مثل هذا " " قال: لا، قال: فأرجعه "، أي فاسترجع هبتك هذه لما فيها من ظلم الآخرين من أبنائك، وأبى - صلى الله عليه وسلم - أن يتم هذه المعاملة، أو يشهد عليها وعد ذلك جوراً، كما جاء مصرحاً به في رواية ابن حبان والطبراني أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا أشهد على جور "، وفي رواية لمسلم: " فإني لا أشهد على جور ".

فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: وجوب المساواة بين الأبناء في جميع الحقوق المالية، وعدم تخصيص بعضهم بهدية أو هبة أو عطية دون الآخرين، لما يترتب على ذلك من زرع العداوة والبغضاء في نفوسهم، وقطع الصلات الودية بينهم، ولما في ذلك من الظلم والإِجحاف بحقوق الآخرين، وقد تمسك بهذا الحديث من أوجب التسوية في العطية بين الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو مذهب طاووس والثوري وأحمد بن حنبل وبعض المالكية، وقالوا: إن التفضيل بينهم باطل، وجورٌ، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء " وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة (١) والتفضيل مكروه فقط، وإن فعل


(١) " فقه السنة " ج ٢ دار الفكر.

<<  <  ج: ص:  >  >>