أوصلت الأمة العثمانية إلى هذه الغاية المجيدة كانت محفوفة بالحبس والكبس. بالتشريد والتجريد. بالإحراق والإغراق. بالتيتيم والتلطيم.
أفلم يكن في هذه الشناعات وفي تلك الدماء الزاكيات وفي ذلك الصراخ الذي بلغ عنان السماوات ما يكفي لشراء هذه الحرية الثمينة بأغلى الأثمان يا آل عثمان.
وفي هذا المقام أتقدم إلى أهل الأدب منكم وكلكم أهل الأدب في تدوين تلك الحوادث التي هي أشبه بالخرافات لأنها لا تكاد تدخل في دائرة المعقولات دونوها ولكن بالصدق والإخلاص ليعرف المعاصرون لكم والناشئون بعدكم أنكم اشتريتم هذه الحرية بأغلى الأثمان ودونوا هذه النكت وتلك النوادر مع الأمانة والصدق حتى لا تنعكس النتيجة فكل شيء جاوز الحد انتهى إلى الضد. لا تكتفوا بروايتها فإن الذاكرة أصبحت في هذه العصور ضعيفة والمطالب كثيرة وإنما هو التدوين عرفنا به مفاخر الأولين وإن كان لم يصل إلينا منه إلا القليل. أصبحنا في عصر تشعبت فيه المعارف وكثرت أمامنا الحاجيات فلا مناص لنا من التدوين الذي يحفظ الحوادث للدهور الآتية والأجيال المستقبلة.
نعم نحن في حاجة إلى تدوين كل شيء إذ قد صار من المستحيل علينا أن نضارع الحفاظ الذين اشتهرت بهم حضارة الإسلام. بل أين لنا لن نكون مثل عامر بن شراحيل أو ابن إدريس الشافعي أو ابن حزم الظاهري وأمثالهم ممن يعدون بالألوف هذا عامر بن شراحيل كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته وما أحببت أن يعيده عليّ. وما أدري شيئاً أقل من الشعر ولو شئت لأنشدتكم شهراً ولا أعيد ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان عالماً. وهذا الشافعي يقول:
علمي معي حيثما يممت ينفعني ... صدري وعاءُ له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وهذا ابن حزم الظاهري الأندلسي أحرق القوم تواليفه فقال:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل أن أنزل ويدفن في قبري
ومع ذلك فقد دون الناس من أجدادنا في كل فن وفي كل شيء حتى أننا بفضل القليل الذي خلص إلينا من مدونات الأقدمين عرفنا أموراً خصوصية لا يمكننا أن نبدي شيئاً مما يماثلها