للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا يكمل أن يحيط علمه بكلّ ما في جناح بعوضة، أيام الدنيا، ولو استمد بقوة كلّ نظّار حكيم؛ واستعار حفظ كلّ بحّاث واع [١] ؛ وكلّ نقّاب في البلاد، ودرّاسة للكتب.

وما أشكّ أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعيّة من العلماء، وعند الخلفاء ما ليس عند الوزراء، وعند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، وعند الملائكة ما ليس عند الأنبياء، والذي عند الله أكثر، والخلق عن بلوغه أعجز، وإنما علّم الله كلّ طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم، ومقدار مصلحتهم.

١٣٥٠-[القول في قوله تعالى: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها

]

فإن قلت: فقد علّم الله عزّ وجلّ آدم الأسماء كلّها [٢]- ولا يجوز تعريف الأسماء بغير المعاني- وقلت: ولولا حاجة الناس إلى المعاني، وإلى التعاون والترافد، لما احتاجوا إلى الأسماء. وعلى أن المعاني تفضل [٣] عن الأسماء، والحاجات تجوز مقادير السّمات، وتفوت ذرع العلامات [٤] فممّا لا اسم له خاصّ الخاصّ. والخاصّيّات كلها ليست لها أسماء قائمة.

وكذلك تراكيب الألوان، والأراييح، والطعوم، ونتائجها.

وجوابي في ذلك: أن الله عزّ وجلّ لم يخبرنا أنه قد كان علّم آدم كلّ شيء يعلمه تعالى، كما لا يجوز أن يقدره على كلّ شيء يقدر عليه.

وإذا كان العبد المحدود الجسم، المحدود القوى، لا يبلغ صفة ربّه الذي اخترعه، ولا صفة خالقه الذي ابتدعه- فمعلوم أنه إنما عنى بقوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها

[٥] علم مصلحته في دنياه وآخرته.

وقال الله عزّ وجلّ: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ

[٦] . وقال الله عزّ وجلّ:


[١] واع: حافظ.
[٢] انظر المزهر ١/٢٨.
[٣] تفضل: تزيد.
[٤] الذرع: الطاقة. العلامات: السمات.
[٥] ٣١/البقرة: ٢.
[٦] ٧٦/يوسف: ١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>